
سؤال صعب… لكنه ضروري:
لماذا كان السودان، ولا يزال، مطمعًا للآخرين؟
دعونا نتناول هذه الفكرة بتفكيك هادئ،
بعيدًا عن جلد الذات،
وبعيدًا عن التبرير أو الخطاب العاطفي.
الاستعمار لم يبدأ بالطمع… بل بالفراغ
هناك حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها:
حين تتوافر الخيرات ولا تُستثمر، تكون النتيجة متوقعة.
الاستعمار لم يكن مجرد فعل شرٍّ مجرد،
بل كان — في كثير من مراحله — أنظمة تبحث عن:
الغذاء
المواد الخام
الأرض
الماء
واستقرار الإنتاج
وأي مكان:
غير مُدار
غير محمي
غير مُستثمر
يتحوّل تلقائيًا إلى هدف.
كبيتٍ مهجور؛
ليس لأن السارق عبقري،
بل لأن الباب مفتوح.
،
ليس تبريراً الاستعمار،
لكن دعوني اشارك معكم شرح منطقه البارد .
الدول الصناعية:
لا تملك مساحات زراعية كافية
ولا شمسًا طوال العام
ولا موارد مائية وافرة
ولا موسمًا زراعيًا مفتوحًا
فاضطرت إلى:
التخطيط
التنظيم
استغلال كل شبر
والبحث خارج حدودها
في المقابل، يملك السودان:
الأرض
الشمس
المياه
التنوع المناخي
والتربة الخصبة
لكن دون نظام فعّال.
ولهذا، فإن الطامع لا يأتي لأنه أقوى فقط،
بل لأنه يجد صاحب النعمة غافلًا.
«السودان مُصمَّم للزراعة» حقيقة علمية
ليست هذه عبارة شاعرية،
بل توصيف جغرافي علمي.
فالسودان يُعد من أندر دول العالم من حيث:
المساحات الزراعية المتصلة
تنوّع المحاصيل الممكنة
طول الموسم الزراعي
وببساطة:
السودان لا يحتاج إلى معجزة،
بل إلى إدارة، ووعي، واحترام للنعم.
لكن الواقع يُظهر أننا:
نزرع بأساليب تقليدية
نفكّر بعقلية تقليدية
نحتقر الأرض
ونُمجِّد الوظيفة والمدينة
وهذا أخطر أنواع الاستعمار:
استعمار العقل قبل الأرض.
مقارنة السودان بالدول الأخرى ظلم لأنفسنا
صحيح أن كثيرًا من الدول التي نقارن أنفسنا بها
لا تملك ربع إمكانيات السودان.
لكنها تملك:
الانضباط
تقدير الموارد
خوفًا حقيقيًا من الجوع
وهذا الخوف أنتج:
أنظمة
خططًا
احترامًا للوقت
واحترامًا للأرض
أما نحن، فنعيش وسط:
الخصب
والماء
والشمس
فكانت النتيجة النفسية: استرخاء زائد،
تسيّب،
وإهمال.
الرخاء غير الواعي أخطر من الفقر
نعم، الرخاء يولّد المسالمة.
لكن حين يكون بلا وعي، يتحوّل إلى:
تواكل
لامبالاة
استهلاك بلا إنتاج
الفقر قد يصنع مقاتلًا،
أما النعمة غير المُدارة فتصنع متفرجًا.
مشكلتنا الأساسية ليست في الاستعمار الخارجي،
بل في أننا:
لا نرى قيمة أرضنا
لا نرى أنفسنا أهلًا للمسؤولية
وننتظر دائمًا من «ينقذنا»
وأي شعب لا يمسك أدواته بيده،
سيأتي من يمسكها عنه…
وبشروطه.
السودان لا يحتاج إلى شفقة من العالم،
بل إلى وعي من أبنائه.
الأرض لم تخنّا…
نحن فقط تأخرنا في فهمها.
د. رناد أبوكشوة


