*العلاقات السودانية الإثيوبية : التحديات الراهنة وآفاق المستقبل*

Date:

سودانيوز

✍🏼 راشد همت :*

تُعدّ العلاقات السودانية الإثيوبية من أكثر العلاقات تعقيدًا في منطقة القرن الإفريقي، نظرًا للتداخل العميق بين البلدين في الجغرافيا والتاريخ والمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. ورغم الروابط الثقافية والتعاون المستمر في مجالات التجارة والاستثمار، لم تكن هذه العلاقة دائمًا مستقرة، إذ مرت بمحطات من التعاون والتوتر، خاصة فيما يتعلق بملفات حساسة مثل النزاع الحدودي في الفشقة، أزمة سد النهضة، التدخل الإثيوبي في الشأن السوداني، وأوضاع اللاجئين السودانيين في إثيوبيا.

وفي ظل الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش السوداني واستعادته للأمن في مناطق واسعة، بات من الضروري إعادة تقييم العلاقات مع إثيوبيا، وتحديد معالمها وفق رؤية استراتيجية تستند إلى المصالح المشتركة والتعاون الإقليمي، بدلًا من استمرار حالة الشد والجذب التي تضر باستقرار البلدين والمنطقة ككل.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية معالجة القضايا العالقة وصياغة حلول مستدامة تضمن الاستقرار الإقليمي وتعزز التنمية الاقتصادية المشتركة.

*النزاع الحدودي في الفشقة :

التنمية كضامن للسلام والاستقرار
تُعدّ الفشقة من أخصب المناطق الزراعية في السودان، إذ تمتد على طول 168 كيلومترًا داخل ولاية القضارف، وتغطي مساحة تُقدَّر بـ 5700 كيلومتر مربع. تتميز هذه المنطقة بتربة خصبة وموارد مائية وفيرة، مما يجعلها ركيزة أساسية للأمن الغذائي في السودان وموردًا اقتصاديًا يعزز الاستقرار الوطني.

ورغم أن الفشقة سودانية بلا جدال وفقًا لاتفاقية 1902 والخرائط الدولية، فإنها تعرضت لعقود من الاحتلال غير الرسمي من قبل ميليشيات إثيوبية مدعومة ضمنيًا من السلطات الإثيوبية، التي غضّت الطرف عن استغلال أراضٍ سودانية دون وجه حق. غير أن الجيش السوداني نجح خلال السنوات الأخيرة في استعادة 90% من أراضي الفشقة، مؤكدًا سيادته الكاملة على المنطقة.

ولمنع أي محاولات مستقبلية لتجدد النزاع، لا بد من تبني نهج استراتيجي يحوّل الفشقة إلى مركز تنموي مزدهر يسهم في *تحقيق الاستقرار عبر* :
تعزيز الاستثمار الزراعي لضمان الأمن الغذائي الوطني والإقليمي، وجعل السودان محورًا رئيسيًا في سوق الغذاء الإفريقي.

تطوير الإنتاج الحيواني وفتح أسواق جديدة في المنطقة، بما فيها إثيوبيا، لجعل السودان المصدر الأول للثروة الحيوانية في الإقليم.

تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية لرفع مستوى معيشة المواطنين في الفشقة، وتعزيز التنمية المستدامة بما يمنع أي أطماع مستقبلية في المنطقة.

**سد النهضة** :

من التوتر إلى التعاون الاستراتيجي
يُعد سد النهضة واحدًا من أكثر القضايا تعقيدًا في العلاقات السودانية الإثيوبية، إذ يمثل مصدر قلق رئيسي للسودان بسبب تأثيره المحتمل على التدفقات المائية، لا سيما فيما يتعلق بسلامة السدود السودانية التي تعتمد كليًا على مياه النيل الأزرق. ومع ذلك، فإن معالجة هذا الملف يجب ألا تكون من منظور النزاع، بل من خلال مقاربة تعاونية تعود بالنفع على الجميع، وذلك عبر:
توقيع اتفاق قانوني ملزم يضمن تشغيل السد بطريقة عادلة تكفل الحقوق المائية للسودان ومصر، وتحفظ استقرار الموارد المائية في المنطقة.

الاستفادة من الطاقة الكهربائية الفائضة من السد بأسعار تفضيلية، خصوصًا في ظل النقص الحاد في الكهرباء الذي تعانيه البلاد نتيجة استهداف البنية التحتية للطاقة من قبل ميليشيا الدعم السريع المتمردة.
تعزيز التعاون الفني بين البلدين في إدارة المياه والمشاريع الهيدروليكية، لضمان الاستخدام المستدام للموارد المائية المشتركة.

*التدخل الإثيوبي في الشأن السوداني* :

بين المصالح المتبادلة واحترام السيادة
كان من المأمول أن تلعب إثيوبيا دور الجار والشريك الاستراتيجي للسودان، إلا أن سياساتها خلال الأزمة السودانية لم تعكس هذا التوجه، إذ اتخذت أديس أبابا خطوات أثارت قلق الخرطوم، بدءًا من استقبال قيادات تحالف “الحرية والتغيير – قحت” الذي تعتبره الحكومة الغطاء السياسي لقوات “الدعم السريع” المتمردة، وصولًا إلى استضافة اجتماعات وتنسيقيات المعارضة ضد الحكومة، ما يثير تساؤلات حول النوايا الحقيقية لإثيوبيا تجاه السودان.

*ومن بين التدخلات* :
تقديم دعم سياسي ودبلوماسي لقوات الدعم السريع المتمردة، بما في ذلك استقبال قائدها رسميًا أثناء الحرب، والسماح له بعقد لقاءات مع جهات إقليمية ودولية.

رصد وجود قناصة إثيوبيين في صفوف قوات الدعم السريع المتمردة خلال القتال.
تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي حول فرض حظر الطيران والمدفعية الثقيلة على الجيش السوداني، وهو ما شكّل صدمة للحكومة السودانية وزاد من تعقيد العلاقة بين البلدين.
________________

*محاولات الوساطة الإثيوبية* :

أسباب الفشل
مؤخرًا، سعى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد للعب دور الوسيط بين السودان والإمارات في ظل التوترات المتزايدة بسبب الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع المتمردة. غير أن هذه المحاولة لم يُكتب لها النجاح، نظرًا لعمق تأثير الحرب على كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في السودان.

ورغم المساعي الدبلوماسية التي بذلها أبي أحمد، فإن افتقار المبادرة إلى آليات واضحة للحل وعدم وجود ضمانات فعلية لتنفيذ أي اتفاق، جعلاها غير قابلة للتطبيق. كما أن السودان، الذي يخوض معركة مصيرية لاستعادة الأمن والاستقرار، لم يعد يقبل بأي حلول جزئية تتجاهل حقيقة الدعم الخارجي للمتمردين.

*خاتمة* : نحو بناء علاقة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة
رغم التحديات التي تواجه العلاقات السودانية الإثيوبية، فإن الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاستراتيجية تفرض على البلدين تجاوز الخلافات وإيجاد أرضية مشتركة للتعاون الذي يخدم استقرار المنطقة.

ولتحقيق ذلك، ينبغي العمل على:
تشكيل لجنة سياسية عليا لمعالجة القضايا العالقة وإعادة بناء الثقة بين البلدين.

إعادة صياغة العلاقات الثنائية وفق رؤية استراتيجية تضمن تحقيق المصالح المتبادلة

بعيدًا عن التوترات السياسية.
تعزيز التعاون الاقتصادي في مجالات الطاقة، الزراعة، والتجارة، بما يسهم في تحقيق التنمية المشتركة.

ضبط الحدود والتنسيق الأمني لمكافحة الجرائم العابرة مثل التهريب والمخدرات، وتعزيز الأمن الإقليمي.

احترام سيادة السودان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية كشرط أساسي لأي علاقة مستقبلية قائمة على حسن الجوار.

إن استقرار القرن الإفريقي مرهون بعلاقات متوازنة بين السودان وإثيوبيا، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. ومن ثم، فإن تبني نهج عقلاني قائم على التعاون هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للبلدين وشعبيهما.
________________________

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

رشان أوشي تكتب : حتى لا نخسر ما كسبناه

حتى لا نخسر ما كسبناه.. رشان أوشي سقطت الكرمك، وستعود...

فى سلسلة مقالات د. أسامة الفاتح العمرى **الشيطان لا يسيطر عليك انت من سلمته مفاتيحك

القاهرة :(سودا.نيوز) اكبر خدعة فكرية نجحت عبر التاريخ هي تصوير...

احمد الحواتى ..جهد مجتمعي متميز فى تعزيز الشرطة المجتمعيةبريفى شمال امدرمان

ام درمان (سودا.نيوز) بسم الله الرحمن الرحيم نتقدم بجزيل...