د. أسامة الفاتح العمرى يكتب :*حين يطلب المستقبل بأدوات الماضى**

Date:

القاهرة (سودا.نيوز)

في الازمات التي تطول لا تكون المشكلة دائما في غياب البدائل بقدر ما تكون في سلوك استقر حتى صار يملي حدود الاختيار ويعيد انتاج النتائج ذاتها مهما تغيرت الاسماء والمشاهدفي الازمات التي تطول لا تعود الاسئلة الكبرى معلقة بين الصواب والخطا بل بين ما اعتاد الفاعلون ممارسته حتى صار يبدو كأنه الخيار الوحيد وبين ما يستبعد لا لعيبه بل لغرابته عن السلوك السائد .

فحين يستقر سلوك بعينه زمنا كافيا يتوقف عن كونه ممارسة قابلة للنقاش ويتحول الى بنية خفية تضبط مجال الممكن وتعيد تعريف الواقعي وتقصي البدائل دون حاجة الى قرار معلنفي مثل هذه السياقات لا تدار السياسة فقط عبر الخطاب او البيانات بل عبر ما يكافا وما يبرر وما يترك بلا مساءلة فحين يقدم الحسم بوصفه فضيلة وتصور السيطرة باعتبارها شرط الاستقرار تتراجع السياسة بوصفها فن ادارة التعدد وتتحول الى تقنية لادارة الغلبة هنا لا يرفض البديل لانه غير عملي بل لانه لا ينسجم مع منطق تشكل عبر التكرار حتى بات مالوفا ومطمئنا .

مهما كانت نتائجه كثيرا ما تعرض الخيارات في هذه اللحظات بوصفها مفترقات حاسمة غير ان التدقيق يكشف انها لا تتجاوز كونها تنويعات داخل الاطار نفسه تتغير الاسماء وتعاد صياغة الادوار لكن المنطق الحاكم يظل ثابتا ما يقدم على انه انتقال لا يكون في الغالب سوى اعادة ترتيب داخل المشهد ذاته حيث تستبدل الاسئلة المتعلقة ببناء الدولة باسئلة تتعلق بادارة التوازن ويؤجل النقاش حول القواعد لصالح نقاش حول المواقع .

ما يلفت في المشهد الراهن ليس شح الامكانات ولا غياب الفاعلين بل تشابه طرائق التفكير تستدعى القوة بوصفها حلا جاهزا لا لانها الخيار الامثل بل لانها الاكثر انسجاما مع سلوك اعتاد اختصار المسارات غير ان التجارب المتراكمة تشير الى ان القوة حين تفصل عن افق سياسي جامع نادرا ما تنتج استقرارا قابلا للاستدامة وغالبا ما تراكم اسباب هشاشته المقبلةثمة ميل واضح للتعامل مع الاستقرار بوصفه نتيجة تقنية تنتجها السيطرة او تضمنها موازين القوة لا بوصفه عقدا سياسيا واجتماعيا يتطلب اعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع وبين الشرعية والفاعلية غير ان الاستقرار الذي لا يمر عبر هذه المراجعة يظل في افضل احواله حالة انتظار تؤجل فيها الاسئلة لا تحل وترحل فيها التناقضات الى لحظة لاحقة .

المفارقة ان الخطاب العام يكثر من الحديث عن المستقبل فيما الادوات المستخدمة تنتمي الى ماض لم ينجح في انقاذ نفسه يطلب من النتائج ان تتغير دون ان يتغير السلوك الذي ظل ينتجها وينتظر من الخيارات ان تكون مختلفة فيما تصاغ داخل الخيال السياسي ذاته وبالمحددات نفسها وبالافتراضات التي ثبت عجزها مراراليس العائق في جوهره غياب المبادرات او ندرة الوسطاء بل الاصرار على انتاج الحل من داخل المنطق الذي قاد الى الازمة فالتغيير الذي يقتصر على اعادة ترتيب القوة دون مساءلة القواعد التي تمنحها معناها غالبا ما يعيد انتاج الازمة في صيغة مؤجلة وكسر الحلقة لا يتحقق بتبديل اللاعبين بل بتغيير اللعبة نفسها او على الاقل قواعدها غير المكتوبة .

التاريخ في هذا المعنى لا يعاند ولا يعاقب لكنه يعيد طرح السؤال ذاته بصيغ مختلفة الى ان تتم الاجابة عنه وما يبدو اليوم ازمة خيارات قد يكون في جوهره ازمة سلوك طال امده حتى بات يقدم بوصفه الممكن الوحيد .

اما الانتقال الى افق اخر فلا يبدأ من اعادة ترتيب المشهد بل من مساءلة المنطق الذي ظل يحكمه بلا مساءلة ومن الجرأة على اختبار خيارات لا تشبه العادة حتى لو بدت في بدايتها اقل طمانينة .

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

المستشارية الثقافيةتطلق موقعها الإلكتروني الرسمى وتعرض مشروع ” دليل الطلاب السودانيين”

القاهرة :(سودا.نيوز) في إطار جهودها لتعزيز التحول الرقمي وتسهيل وصول...

كتبت الصحفية انصاف عبدالله : صنع فى السودان حين تنتصر الارادة على المستحيل

الخرطوم (سودا.نيوز) في الوقت الذي تضج فيه الاسافير الشائعات واقالات...