
سودا.نيوز : القاهرة
في ظل دخول الحرب السودانية عامها الرابع، ومع استمرار الكارثة الإنسانية التي تصنفها الأمم المتحدة بأنها من بين الأسوأ عالمياً، تتجه الولايات المتحدة نحو تبني أحد أكثر التشريعات صرامة تجاه الأزمة السودانية منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023.
ويحمل المشروع اسم “قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان” (Preventing External Aggression and Conflict Escalation in Sudan Act – PEACE in Sudan Act)، ويهدف إلى تضييق الخناق على الأطراف السودانية المتحاربة، والدول والكيانات الخارجية التي تتهمها واشنطن بتغذية الصراع عبر الدعم العسكري أو المالي أو اللوجستي.
لماذا ظهر هذا المشروع الآن؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، خلص عدد متزايد من المشرعين الأمريكيين إلى أن العقوبات التي فرضتها الإدارات الأمريكية السابقة لم تكن كافية لوقف القتال أو ردع الجهات الخارجية عن التدخل في السودان.
كما ترى دوائر صنع القرار في واشنطن أن استمرار تدفق السلاح والدعم المالي من أطراف خارجية أدى إلى إطالة أمد الحرب، وتعقيد فرص التسوية السياسية، وتفاقم الأزمة الإنسانية.
لذلك جاء المشروع ليمنح الإدارة الأمريكية أدوات قانونية أوسع لاستهداف ليس فقط أطراف النزاع داخل السودان، وإنما أيضاً كل من يساهم في استمرار الحرب من الخارج.
أبرز بنود المشروع يتضمن المشروع حزمة واسعة من الإجراءات، أبرزها:–
إلزام الإدارة الأمريكية بإعداد تقارير دورية حول أنشطة الحكومات والجهات الأجنبية المتورطة في دعم الحرب داخل السودان.–
توسيع صلاحيات فرض العقوبات على الأفراد والشركات والمؤسسات التي تقدم دعماً عسكرياً أو مالياً أو تقنياً لأي طرف من أطراف النزاع.–
تعزيز آليات تتبع شبكات التمويل وعمليات نقل السلاح إلى السودان.–
دعم جهود المساءلة الدولية عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.–
مطالبة الإدارة الأمريكية بوضع استراتيجية شاملة للتعامل مع الأزمة السودانية تشمل الجوانب السياسية والإنسانية والأمنية.–
تعزيز التنسيق مع الحلفاء والشركاء الدوليين لزيادة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الجهات التي تؤجج الصراع.
هل يسمح المشروع بتصنيف جماعات سودانية كمنظمات إرهابية؟
المشروع لا ينص تلقائياً على إدراج أي طرف سوداني في قوائم الإرهاب، لكنه يتيح للإدارة الأمريكية استخدام الأدوات القانونية القائمة إذا توافرت الشروط القانونية اللازمة، إلى جانب توسيع خيارات العقوبات والإجراءات المرتبطة بالأمن القومي.
وبالتالي فإن الحديث عن تصنيف أي جهة يظل خاضعاً لإجراءات قانونية منفصلة وليس نتيجة تلقائية لإقرار المشروع.
أين وصل المشروع؟
حتى الآن، لا يعد المشروع قانوناً نافذاً.فقد قُدم في مجلس الشيوخ الأمريكي وأُحيل إلى اللجنة المختصة، وما يزال يتعين عليه استكمال المراحل التشريعية، بما في ذلك موافقة مجلسي الشيوخ والنواب على الصيغة النهائية، ثم توقيع رئيس الولايات المتحدة قبل دخوله حيز التنفيذ.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟
إذا أُقر المشروع، فمن المتوقع أن يترك آثاراً سياسية ودبلوماسية واسعة، منها:
أولاً:زيادة الضغوط الدولية
سيمنح واشنطن أدوات أوسع لمعاقبة الجهات التي ترى أنها تساهم في استمرار الحرب، سواء كانت داخل السودان أو خارجه.
ثانياً: تضييق مصادر التمويل
قد تواجه شبكات التمويل والشركات والوسطاء المشاركون في دعم أطراف النزاع قيوداً مالية ومصرفية أشد، ما قد يزيد كلفة استمرار الحرب.
ثالثاً: تعزيز المساءلة
يضع المشروع ملف جرائم الحرب والانتهاكات الإنسانية في صدارة السياسة الأمريكية، مع دعم أكبر لجهود التوثيق والمحاسبة.
رابعاً: رفع أولوية السودان في السياسة الأمريكية
يشير المشروع إلى أن السودان لم يعد ملفاً إنسانياً فقط، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن الإقليمي والاستقرار الدولي، وهو ما قد يعني انخراطاً دبلوماسياً أمريكياً أكبر في المرحلة المقبلة.
هل يوقف المشروع الحرب؟
من الناحية العملية، لا يمكن لأي قانون أمريكي أن ينهي الحرب بمفرده.غير أن المشروع قد يزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على الجهات المتورطة، ويحد من قدرة بعض الداعمين الخارجيين على الاستمرار في تقديم المساندة، الأمر الذي قد يخلق ظروفاً أكثر ملاءمة لجهود التفاوض، لكنه لا يضمن التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسية.
الخلاصةيمثل مشروع “قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان” تحولاً ملحوظاً في مقاربة الولايات المتحدة للأزمة السودانية.
فبدلاً من الاكتفاء بالعقوبات المحدودة أو التحركات الدبلوماسية التقليدية، يسعى المشروع إلى بناء إطار قانوني أشمل يركز على محاسبة الأطراف المحلية والخارجية التي تطيل أمد النزاع، وتعزيز المساءلة الدولية، ورفع مستوى الانخراط الأمريكي في الملف السوداني.
ومع ذلك، يبقى مستقبل المشروع مرتبطاً بالمسار التشريعي داخل الكونغرس، كما أن تأثيره الفعلي سيتوقف على مدى تطبيقه، ومستوى التعاون الدولي، واستجابة الأطراف المتحاربة والجهات الداعمة لها.


