
القاهرة :(سودا.نيوز)
اكبر خدعة فكرية نجحت عبر التاريخ هي تصوير الشيطان كقوة خارقة تمتلك ذكاء استثنائيا وقدرة مطلقة على التحكم في البشر وكأن الانسان مجرد كائن مسلوب الارادة ينتظر من يقوده هذه الصورة بحد ذاتها جزء من المشكلة لانها تعفي الانسان من مسؤوليته وتمنحه مخرجا جاهزا لكل فشل وكل انحراف الحقيقة الاقسى ان الشيطان لا يملك فهما اعقد من فهم طفل في العاشرة لا يمتلك مشروعا ولا اخلاقا ولا رؤية بعيدة المدى ومع ذلك نجح في ارباك انسان مكلف واع ومدرك فما الذي حدثالذي حدث ان الانسان تخلى عن اهم ما يميزه لم يتخل عن عقله بل عن وعيه بالعواقب وهنا تحديدا تبدأ الفكرة الشيطانية لا بان تأمرك بالشر بل بان تفصل الفعل عن نتيجته ان تعيش اللحظة وكأنها كل الحقيقة والرغبة وكأنها حق والذات وكأنها مركز الوجود .
الطفل يفعل ولا يحاسب لانه لا يدرك التبعات اما الانسان البالغ فيحاسب لانه قادر على الربط بين الفعل وما يترتب عليه لكن حين يعطل هذا الربط يصبح اخطر من الطفل لان جهله هنا اختيار لا عذرالشيطان لا يجبرك ولا يسلبك ارادتك هو فقط يقنعك ان النتيجة بعيدة وان الحساب مؤجل وان الضرر لن يقع عليك وحدك وهكذا يتحول الانسان من كائن مسؤول الى كائن تفاعلي يستجيب للاندفاع لا للتفكير ويتحرك بدافع اللذة لا بدافع البصيرةوعند هذه النقطة تبدأ اكبر مأساة يبرر الانسان افعاله ويحمّل الظروف والناس والقدر والشيطان نفسه نتائج ما صنعه بيديه فيرى نفسه ضحية لا سببا ومتألما لا مسؤولا ويقف متفرجا على انهيار حياته دون ان يعترف انه المهندس الاول لهذا الانهيار .
حين يصل الانسان الى هذا العمق من الغفلة لا يعود الوعظ كافيا ولا النصيحة مجدية فيتدخل الحق سبحانه لا قهرا بل كشفا لا انتقاما بل تعليما فيربط الواقع بالفعل ويجعل النتيجة تتكلم حين فشل العقل عن السماعقال تعالى ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان لم يقل افعال الشيطان بل خطواته لان السقوط لا يحدث دفعة واحدة بل عبر تبريرات صغيرة وتنازلات تبدو بسيطة واختيارات يقال عنها لا بأس بها حتى يجد الانسان نفسه في مكان لم يرده لكنه سار اليه بكامل ارادته .
الخلاصة التي لا يحبها احد الشيطان ليس عدوا ذكيا بقدر ما الانسان غير الواعي خطر حقيقي على نفسه وكل فكرة لا تجبرك على سؤال ماذا سيترتب على هذا الفعل ليست فكرة بريئة بل بداية طريق ستلوم غيرك في نهايته .


