
سودا.نيوز(القاهرة)
مالك خليفة كاتب وصحفى ومحلل سياسي
في الأزمنة المضطربة، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من سلطة، بل بقدرتها على استيعاب الرأي المخالف، واحترام حق مواطنيها في التعبير، وحماية المساحة التي تتحرك فيها الكلمة الحرة.
ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز قضية رشان أوشي باعتبارها أكثر من مجرد قضية قانونية أو خصومة انتهت إلى حكم قضائي.
إنها قضية تتجاوز الأشخاص لتلامس جوهر العلاقة بين الدولة والصحافة، وبين النفوذ والكلمة، وبين السلطة وحق النقد.
ولأن رشان أوشي ليست اسماً مجهولاً في الحياة العامة، فقد تحولت قضيتها إلى مساحة واسعة للأسئلة.
أسئلة ربما تكون أهم من القضية نفسها.هل نحن أمام تطبيق مجرد للقانون؟ أم أمام مشهد تختلط فيه الاعتبارات الشخصية والمواقف السابقة والحساسيات المتراكمة؟لا أملك إجابة قاطعة، لكن من حق الرأي العام أن يسأل.
فالصحفي بطبيعة عمله يقترب من المناطق التي يفضل كثيرون الابتعاد عنها. يطرح الأسئلة المزعجة، ويبحث عن الحقائق التي يرغب البعض في بقائها بعيدة عن الضوء، ويدفع أحياناً ثمناً باهظاً مقابل كلمة أو رأي أو موقف.
ولهذا فإن أي قضية تتعلق بصحفي لا ينبغي أن تُقرأ فقط في إطار النصوص القانونية الجامدة، وإنما في سياق أوسع يتصل بحرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة.
وربما لهذا السبب تذكرني رشان أوشي بجيل من النساء السودانيات اللائي دخلن الحياة العامة وهن يحملن آراء واضحة ومواقف معلنة، لا يبحثن عن رضا الجميع بقدر ما يبحثن عن الانسجام مع قناعاتهن.
أتذكر الراحلة آمال عباس، والأستاذة نعمات بلال، كما أتذكر في المجال السياسي الدكتورة فاطمة عبد المحمود، والأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، والدكتورة سعاد الفاتح.
نساء اختلف معهن الناس كثيراً واتفقوا معهن كثيراً، لكن أحداً لم يستطع أن ينكر أنهن كن صاحبات رأي وموقف وشخصية مستقلة. لم يكن حضورهن في الحياة العامة قائماً على المجاملة أو مسايرة التيار، بل على قناعات دفعت كل واحدة منهن ثمنها في وقت من الأوقات.
ولذلك بقيت أسماؤهن حاضرة في الذاكرة الوطنية، لا لأن الجميع كان يؤيدهن، بل لأن الجميع كان يعرف أين يقفن وماذا يقلن وماذا يدافعن عنه.
ومن هذه الزاوية أنظر إلى رشان أوشي؛ فالقيمة الحقيقية لأي صحفي أو صاحب رأي لا تكمن في عدد المؤيدين له، وإنما في قدرته على التمسك بقناعاته والدفاع عنها مهما كانت كلفة الاختلاف.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس أن يخطئ صحفي، فكل البشر يخطئون، وإنما أن يسود الاعتقاد بأن كلفة الكلام أصبحت أعلى من كلفة الصمت.
فعندما يخاف الصحفي من الكتابة، يخسر المجتمع عينه التي ترى، وأذنه التي تسمع، ولسانه الذي يسأل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في قضية رشان أوشي ليس: ماذا حدث لرشان أوشي؟بل: ماذا تقول هذه القضية عن واقع الحريات في السودان؟وماذا تقول عن قدرة مؤسسات العدالة على إقناع الناس بأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع؟فالعدالة لا يكفي أن تُمارس، بل يجب أن يراها الناس عادلة.
وفي البلدان التي تعصف بها الحروب والأزمات والانقسامات، تصبح الحاجة إلى صحافة حرة أكثر إلحاحاً لا أقل.
فغياب المعلومة يخلق الشائعة، وغياب النقد يفتح الباب للفساد، وغياب الرأي الآخر يجعل الخطأ أكثر قدرة على التمدد.
لقد اختلف السودانيون كثيراً مع أولئك النسوة الرائدات، لكن أحداً لم ينكر عليهن حقهن في أن يكن صاحبات رأي وموقف.
أما اليوم، فيبدو أن بعض الناس يريدون من الصحفي أن يكتب بلا موقف، وأن يتحدث بلا صوت، وأن يعيش بلا أثر.
غير أن المجتمعات لا تتقدم بالصمت، ولا تُبنى بالخوف، ولا تزدهر إلا عندما تجد الآراء المختلفة مساحة آمنة للتعبير عن نفسها تحت مظلة القانون.
إن قضية رشان أوشي تضعنا أمام سؤال مؤلم: هل أصبح بعض أصحاب الرأي يدفعون ثمن آرائهم أكثر مما يدفع أصحاب النفوذ ثمن أخطائهم؟وهل ما زالت مؤسسات الدولة قادرة على حماية حق التعبير كما تحمي حق التقاضي؟
ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أن إطلاق سراح رشان أوشي سيكون خطوة أكثر حكمة وفائدة للمجتمع والدولة معاً.
فالدول القوية لا تستمد هيبتها من بقاء الصحفيين خلف القضبان، وإنما من ثقة مواطنيها في عدالة مؤسساتها وسعة صدرها تجاه الرأي الآخر.
إن استمرار حبس رشان أوشي لا يضيف كثيراً إلى هيبة القانون، بقدر ما يضيف مزيداً من الجدل والاستقطاب والتأويلات التي يحتاج السودان اليوم إلى تجاوزها لا إلى تعميقها.
لقد أنهكت الحرب البلاد، وأثقلت كاهل الناس بالأحزان والانقسامات، وأصبح الجميع في حاجة إلى رسائل تبعث الأمل في التسامح والاحتواء وإعلاء الحكمة.
ولهذا فإن إطلاق سراح رشان أوشي لن يُنظر إليه بوصفه تراجعاً للدولة، بل بوصفه تعبيراً عن ثقتها في نفسها، وإيمانها بأن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على استيعاب الاختلاف لا بملاحقته.ففي نهاية المطاف، قد يكسب طرف قضية، وقد يكسب خصومه قضية أخرى، لكن الوطن لا يكسب إلا عندما تنتصر العدالة، ويشعر أصحاب الرأي أن لهم مكاناً آمناً تحت سقف القانون.
ذلك هو الانتصار الذي يحتاجه السودان اليوم.


