سامية عبدالحفيظ:رائدة مبادرة الحركة التعاونية واعمار الانسان تكتب :”الإدارة الأهلية في السودان: من جذور الأزمة إلى مفتاح السلام والتنمية”

Date:

سودا.نيوز

الإدارة الأهلية بين جذور الأزمة ومفتاح الحل

إن أزمة القبائل في السودان لم تنشأ من فراغ، بل ارتبطت بصورة مباشرة بمسار الإدارة الأهلية نفسها، ولذلك فإن حل هذه الأزمة لا يمكن أن يتم بعيداً عنها، لأنها جزء من المشكلة وجزء من الحل في الوقت ذاته.

لقد نشأت الإدارة الأهلية في صورتها الحديثة بقرار من المستعمر، الذي استخدمها أداةً لإدارة المجتمعات المحلية وتنفيذ سياساته بصورة غير مباشرة.

وبعد رحيل المستعمر استمرت الإدارة الأهلية في أداء أدوارها وفق ذات الهياكل والسياسات التي ورثتها، دون مراجعة وطنية شاملة تتوافق مع متطلبات بناء الدولة السودانية الحديثة.

ومع مرور الزمن انتقلت الإدارة الأهلية من التبعية الإدارية للمستعمر إلى التبعية السياسية للأحزاب والقوى المتنافسة على السلطة، فأصبحت بعض القيادات القبلية جزءاً من الاستقطاب السياسي، مما أضعف قدرتها على تحقيق العدالة داخل مجتمعاتها، وأوقعها أحياناً في دائرة الانحياز لعشائر أو مجموعات على حساب أخرى.

وتفاقمت هذه الإشكالات حتى تحولت في بعض الحالات إلى وسيلة للاسترزاق وتحقيق المكاسب الشخصية، وظهرت مظاهر فساد أضعفت هيبة الإدارة الأهلية ومكانتها التاريخية.

كما أن النزاع حول الموارد الطبيعية والأراضي والمراعي ومصادر المياه أصبح سبباً رئيسياً للخصومات القبلية. وأدى التنافس على زعامة القبيلة إلى نشوء صراعات بين زعماء العشائر داخل القبيلة الواحدة، بينما تسببت التبعية السياسية لبعض القيادات في ظهور حالات تمرد ورفض من عناصر داخل القبيلة نفسها.

كذلك ساهم الثراء غير المتوازن لبعض الزعماء في خلق مشاعر الحقد الاجتماعي واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة الشعبية.غير أن معالجة هذه الأزمات لا تكون بإضعاف الإدارة الأهلية أو إلغائها، بل بإعادة تعريف دورها ومكانتها.

فالمطلوب هو إعادة الاعتبار لزعماء القبائل ومنحهم وضعاً وطنياً يليق بمكانتهم التاريخية، وتحويلهم من قيادات محصورة في إدارة النزاعات المحلية إلى قيادات وطنية تشارك في إدارة شؤون مجتمعاتها وتحمي مواردها الطبيعية وتسهم في تنمية مناطقها وتنظيم استثمار ثرواتها لصالح جميع المواطنين.

وتقوم هذه الرؤية على ثلاثة عناصر مترابطة تشكل أساس الاستقرار الوطني:

أولاً: الإدارة الأهلية باعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأقرب إلى المواطنين والأقدر على تحقيق التماسك المجتمعي.

ثانياً: الحركة التعاونية باعتبارها الأداة الاقتصادية العادلة لإدارة الموارد والمصالح المشتركة وتوزيع عوائدها بين جميع الأفراد.

ثالثاً: التنمية المحلية باعتبارها المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار والسلام والعدالة الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية.

نحو عقد اجتماعي وتنموي جديدإن التجارب التي مرت بها الدولة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن معالجة النزاعات القبلية بالوسائل الأمنية وحدها لا تؤدي إلى حلول مستدامة، كما أن التسويات السياسية المؤقتة لا تعالج الجذور الحقيقية للأزمة. فالأصل في المشكلة هو غياب المنظومة الاقتصادية والاجتماعية القادرة على تحويل التنوع القبلي من مصدر للتنافس والصراع إلى مصدر للتكامل والتنمية.

ومن هنا فإن المشروع التنموي النهضوي المتكامل يقدم رؤية جديدة للعلاقة بين الدولة والقبيلة والمجتمع المحلي، تقوم على اعتبار القبيلة وحدة اجتماعية وتنموية تشارك في بناء الوطن من خلال مؤسسات تعاونية منتجة، وليس من خلال الولاءات السياسية أو الصراعات حول الموارد.

ويهدف هذا التصور إلى بناء عقد اجتماعي جديد يجعل من الإدارة الأهلية شريكاً في التنمية، ومن الحركة التعاونية أداة لإدارة الثروة وتوزيع عوائدها بعدالة، ومن المواطن محوراً للعملية التنموية باعتباره شريكاً في الإنتاج والاستهلاك واتخاذ القرار.

وبذلك تتحول القبائل من وحدات متنافسة إلى مجتمعات منتجة، وتتحول الزعامات الأهلية من مراكز نفوذ تقليدية إلى مؤسسات قيادة وتنمية وخدمة عامة، كما تتحول الموارد الطبيعية من أسباب للنزاع إلى أصول اقتصادية مشتركة تحقق الرفاه والاستقرار للجميع.

إن النهضة الحقيقية لا تبدأ من قمة السلطة، وإنما تبدأ من القاعدة الاجتماعية التي يعيش فيها الناس وينتجون ويتفاعلون يومياً. ولذلك فإن الإصلاح القاعدي الذي يتبناه المشروع التنموي النهضوي المتكامل ينطلق من إعادة بناء المجتمع المحلي على أسس التعاون والعدالة والمشاركة، وصولاً إلى دولة قوية تستمد قوتها من قوة مجتمعاتها المحلية وتماسكها وقدرتها على إدارة مواردها وتنمية ثرواتها.

وعليه فإن مستقبل السودان لا يكمن في إضعاف الإدارة الأهلية أو تجاوزها، بل في تطويرها وإعادة توجيهها لتصبح رافعة للتنمية المستدامة، وجسراً بين الدولة والمجتمع، وأداة لتحقيق الوحدة الوطنية من خلال المصالح المشتركة والتنمية المتوازنة والعدالة المجتمعية……

لذلك ارسل عبرك اخي على المك هذه الرسالة لجميع قيادات الإدارة الأهلية …مع خالص احترامي وتقديري…سامية عبد الحفيظ ابراهيم …رائدة مبادرة جماهير الحركة التعاونية لإعمار الانسان.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

مدرب السنغال يشعل الجدل في أمريكا: الصلاة فوق كل اعتبار وكأس العالم لا يسبق نداء الله

سودا. نيوز ‏تحول المؤتمر الصحفي لمنتخب السنغال من مجرد حديث...

كوراساو تخطف نقطة تاريخيةوتخطط لاصطياد الأفيال ومرافقة الالمان

⭕المونديال: سود.انيوز .. مفتى محمد سعيد ✍️ ...

تونس تواصل الانهيار وتخيب الآمال وتودع المونديال

⭕المونديال : سودانيوز .. مفتى محمد سعيد ✍️ ودع منتخب...

ساحل العاج تهدر الفوز وألمانيا تعاقبها بالبديل

⭕ المونديال : سود .انيوز .. مفتى محمد...