السودان: الخروج من النفق المظلم.. باللسان أم بالأسنان؟

Date:

القاهرة : سودا .نيوز / مالك الخليفة

من إنهاء التمرد إلى تأسيس الدولة :

هل يحتاج السودان إلى حسم عسكري أم تسوية سياسية أم مشروع وطني يجمع بينهما؟

ورقة في مستقبل الدولة السودانية وإنهاء الازدواجية العسكرية .

لم تعد الأزمة السودانية مجرد حرب بين قوتين عسكريتين، ولم يعد السؤال محصوراً فيمن ينتصر في الميدان، بل أصبح السؤال الأكبر:

كيف يمكن للسودان أن يخرج من هذه الحرب دون أن يعيد إنتاج الأسباب التي قادته إليها؟

إن ما حدث في 15 أبريل 2023 كشف عن خلل استراتيجي عميق في بنية الدولة السودانية، تمثل في وجود مركزين للقوة العسكرية والقرار، لكل منهما قيادته وتسليحه وانتشاره وحساباته السياسية.

وهذه الازدواجية لم تكن مجرد مشكلة تنظيمية داخل المؤسسة العسكرية، بل كانت تهديداً مباشراً لسيادة الدولة ووحدة قرارها الوطني.

أولاً: الحسم العسكري ليس نهاية الأزمة

من حق الدولة أن تدافع عن مؤسساتها وسيادتها، ومن واجبها ألا تسمح لأي قوة مسلحة بفرض إرادتها خارج القانون.

لكن يجب ألا نخلط بين حسم التمرد عسكرياً وبين معالجة الأزمة السودانية من جذورها.فحتى إذا انتهت الحرب عسكرياً، فإن السودان سيظل معرضاً لتكرارها ما لم تتم معالجة قضايا تعدد الجيوش، وغياب الرقابة المدنية، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية مع المؤسسة العسكرية.

لذلك فإن الحسم العسكري، حيث تقتضيه حماية الدولة والمدنيين، ينبغي أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة، لا بديلاً عنه.

ثانياً: التسوية السياسية لا تعني تقاسم الدولة

في المقابل، فإن التسوية السياسية التي تمنح الأطراف المسلحة مكاسب تتناسب مع حجم القوة التي تمتلكها، قد تؤسس لحروب جديدة.

فلا ينبغي أن يتحول حمل السلاح إلى وسيلة للحصول على السلطة أو فرض الشراكة السياسية.

إن التسوية المطلوبة هي تسوية تؤسس لسلام مستدام، وتحمي المدنيين، وتعيد سلطة القانون، وتضمن خضوع جميع التشكيلات المسلحة لمؤسسات الدولة.

ولا بد أن يكون هناك فارق واضح بين التسوية السياسية التي تعالج النزاع، والتسوية العسكرية التي تعيد إنتاج ازدواجية القيادة.

ثالثاً: المسار المتزامن

هو الخيار الأكثر واقعيةأرى أن الطريق الأنسب للسودان هو الجمع بين إنهاء التمرد، ووقف الحرب، وإعادة تأسيس المنظومة العسكرية والسياسية في مسار وطني متكامل.ويقوم هذا المسار على المحاور التالية:

1. استعادة سلطة الدولة

تثبيت مبدأ أن الدولة وحدها صاحبة الحق في تنظيم القوة المسلحة، وأن جميع التشكيلات العسكرية يجب أن تخضع لقانون وقيادة وطنية موحدة.

2. وقف الحرب وحماية المدنيين

اعتماد ترتيبات عملية لوقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدن والمنشآت المدنية، وعودة النازحين واللاجئين بصورة آمنة وطوعية.

3. إنهاء الازدواجية العسكرية

وضع برنامج وطني لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، مع إخضاع الراغبين في الالتحاق بالمؤسسات النظامية للفحص الفردي والتأهيل المهني، وعدم السماح بإنشاء تشكيلات موازية داخل القوات المسلحة.

4. إعادة بناء المؤسسة العسكرية

إصلاح المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية، وتوحيد العقيدة العسكرية وسلسلة القيادة، وإخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة دستورية وقانونية، بعيداً عن الحزبية والجهوية.

5. التوافق على مشروع سياسي وطني

إطلاق حوار وطني مدني واسع يحدد شكل الدولة ونظام الحكم والمرحلة الانتقالية، ويؤسس لانتخابات حرة، ويمنع عودة الاستبداد أو احتكار السلطة.

6. العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية

لا سلام مستداماً دون محاسبة عادلة للمتورطين في الجرائم والانتهاكات، وجبر الضرر، ورد الحقوق، ومعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية للحرب، دون عقاب جماعي أو استهداف على أساس قبلي أو جهوي.

رابعاً: المؤسسة العسكرية والسياسة

من أهم الدروس التي ينبغي أن يستوعبها السودان أن المؤسسة العسكرية لا يمكن أن تكون طرفاً دائماً في التنافس السياسي.

فالجيش الوطني القوي هو الذي يحمي الدستور والحدود والسيادة الوطنية، ويبتعد عن الصراع الحزبي، ويخضع للسلطة الدستورية المدنية.

وفي المقابل، فإن السلطة المدنية لا بد أن تكون مؤهلة وقادرة على إدارة الدولة، وتحظى بشرعية شعبية، ولا تستخدم المؤسسات العسكرية لتصفية خصوماتها السياسية.

خامساً: ضرورة تحصين السودان من التدخلات الخارجية

إن أي مشروع لإنهاء الحرب سيظل ناقصاً ما لم يتضمن آليات حقيقية لمنع تدفق السلاح والتمويل الخارجي إلى الأطراف المتحاربة.

فالسودان يحتاج إلى علاقات خارجية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة، لا أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

سادساً: ما بعد الحرب يجب ألا يكون نسخة من الماضي

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي الحرب، ثم تعود النخب السياسية والعسكرية إلى ذات المعادلات القديمة، وتُعاد صياغة السلطة وفق موازين القوة والسلاح.

السودان لا يحتاج إلى اتفاق جديد لتقاسم السلطة بين مراكز النفوذ، بل يحتاج إلى عقد وطني جديد يجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، والكفاءة معياراً لتولي المسؤولية، والقانون مرجعية للجميع.

خاتمة: انتصار الدولة هو الهدف الأكبرإن السودان أمام فرصة تاريخية، رغم فداحة التضحيات، لإعادة بناء دولته على أسس جديدة.

ولا ينبغي أن يكون السؤال:

من انتصر على من؟

بل: كيف نمنع تكرار الحرب؟

وكيف نضمن ألا يظهر غداً جيش موازٍ جديد؟

وكيف نؤسس لدولة لا يستطيع أي طرف اختطاف قرارها بالقوة؟

إن الحسم العسكري قد ينهي تمرداً، والتسوية السياسية قد توقف حرباً، لكن المشروع الوطني وحده هو الذي يستطيع أن يؤسس لدولة مستقرة.

المعادلة التي يحتاجها السودان ليست جيشاً ينتصر على جيش، ولا سياسياً يتقاسم السلطة مع عسكري، وإنما دولة تنتصر على الفوضى، ومؤسسات تنتصر على الأشخاص، ومواطنة تنتصر على الولاءات الضيقة.

فالسودان أكبر من أطراف الحرب، ومستقبله أكبر من حسابات المتصارعين.

ونسأل الله أن يحفظ بلدنا السودان وأهله، وأن يهيئ له طريق السلام والاستقرار وبناء الدولة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

استراحة الجمعة. …د. اسامة العمرى * الجهل اخطر مايواجه السودانيين ..وامريكا تقف...

القاهرة : سودانيوز في حوار يحمل رسائل مهمة حول مستقبل...

الحظيرة التي تسكن الإنسان (4).. حين يصبح الإنسان محامياً عن أخطائه وقاضياً على الآخرين

القاهرة : سودا.نبوز التشوه الأعمق — حين يفقد الإنسان القدرة...

السماني عوض الله يكتب: هذا الرجل يحتاجه السودان في هذه المرحلة

القاهىة: سودا.نيوز السودان ومنذ وقت طويل ظل يمر بمنعطف خطير...