
القاهرة : سودا.نبوز
التشوه الأعمق — حين يفقد الإنسان القدرة على رؤية نفسه قد يخدع الإنسان الآخرين بكلامه، لكنه يبلغ أخطر درجات الخداع حين ينجح في إقناع نفسه بأن مصلحته هي الحقيقة.
لا يبدأ التشوه الإنساني دائما بالكذب على الآخرين، بل قد يبدأ بتبرير الإنسان لسلوكه أمام نفسه.
يستنكر الظلم حين يقع عليه، ثم يبحث له عن مبررات حين يمارسه على غيره. يرفض الامتيازات عندما يحرم منها، ثم يدافع عنها عندما تصبح في يده.
يطالب بالعدل ما دام يخدمه، وقد يتراجع عنه حين يصبح العدل مكلفا لمصالحه.وهنا لا يعود الإنسان محتاجا إلى من يفرض عليه قواعد الحظيرة؛ فقد يتولى بنفسه حراسة أسوارها، لأنه أصبح يرى العالم من خلال موقعه ومكاسبه ومخاوفه.
والأخطر أن هذا التناقض لا يكون دائما متعمدا. فقد يعيد الإنسان تفسير الوقائع، وينتقي ما يوافق قناعاته، ويمنح أخطاءه أسماء مقبولة، بينما يمنح أخطاء الآخرين أقسى الأحكام.
ومع الوقت، يصبح الدفاع عن الذات أهم من اكتشاف الحقيقة.وهكذا تتحول القناعة من طريق لفهم العالم إلى جدار يحجب عنا رؤيتنا لأنفسنا.إن بداية الوعي ليست أن نكتشف أخطاء الآخرين، بل أن نمتلك الشجاعة لنرى في أنفسنا ما اعتدنا إدانته فيهم.
فالتحرر الحقيقي لا يبدأ فقط بتغيير المواقع أو مقاومة المنظومات، بل يبدأ حين يتوقف الإنسان عن إعفاء نفسه من القواعد التي يطالب الآخرين بالالتزام بها.
ويبقى السؤال: هل يستطيع الإنسان أن يمنح الآخرين من العدل والوفاء ما ينتظره منهم، أم أن العطاء نفسه قد يتحول إلى اختبار يكشف حقيقة ما في داخله؟
في الجزء الخامس: صراع العطاء وجحود الإنسان — حين لا يجد الإحسان دائما ما يستحقه من الوفاء
.د اسامة الفاتح العمري


