
القاهرة : سودا.نيوز
أخطر ما قد تفعله الحضارة بالإنسان أن تنجح في تطوير حياته من الخارج، بينما تترك إنسانيته تتراجع من الداخل.
صنع الإنسان الحضارة ليحمي حياته، ويخفف معاناته، ويوسع آفاق معرفته، ويمنح الأجيال القادمة فرصا أفضل للعيش.
فابتكر الأدوات، وأقام المدن، وشيد المؤسسات، وطور العلوم، وفتح أبوابا لم يكن أجداده يتخيلونها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل كل تقدم في وسائل الحياة يعني بالضرورة تقدما في حياة الإنسان نفسه؟
لقد أصبحت البشرية قادرة على إنتاج ثروات هائلة، ومع ذلك لا يزال كثيرون يعانون الجوع والحرمان. واتسعت وسائل الاتصال، لكن المسافات الإنسانية قد تزداد اتساعا. وتطورت أدوات المعرفة، بينما يستطيع التضليل أن ينتشر بسرعة لم تعرفها العصور السابقة.
ليست المشكلة في العلم، ولا في التكنولوجيا، ولا في الحضارة ذاتها؛ بل في الغاية التي توجهها، والقيم التي تضبط استخدامها، والإنسان الذي يفترض أن تكون في خدمته.حين تتحول الثروة إلى مقياس وحيد للنجاح، يصبح الإنسان رقما في حسابات الإنتاج والاستهلاك. وحين تتحول المؤسسات إلى غايات قائمة بذاتها، قد تنشغل بحماية استمرارها أكثر من انشغالها بأسباب وجودها. وحين يصبح النفوذ أهم من المسؤولية، قد تتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى امتياز يتنافس الناس على امتلاكه.
وهكذا لا تختفي الحظيرة بالضرورة مع تقدم الحضارة؛ بل قد تصبح أكثر اتساعا وتعقيدا، وتستبدل القيود الظاهرة بأنظمة من المصالح والعادات والمخاوف، تجعل الإنسان يشارك أحيانا في إعادة إنتاج ما يحد من حريته، وهو يعتقد أنه يحقق النجاح.ومع ذلك، فإن الحضارة ليست حكما نهائيا على الإنسان، بل فرصة متجددة لإعادة النظر في اختياراته.
فكل مؤسسة يمكن أن تتغير، وكل نظام يمكن أن يراجع أهدافه، وكل تقدم يمكن أن يصبح أكثر إنسانية عندما توضع كرامة الإنسان وحقوقه واحتياجاته في مركز الاهتمام.
فليست عظمة الحضارة فيما تبنيه من أبراج، بل فيما تبنيه داخل الإنسان من وعي وكرامة ومسؤولية؛ وليست قيمة المؤسسات في قدرتها على البقاء، بل في قدرتها على جعل حياة الناس أفضل.
إن التحدي الحقيقي ليس أن نصنع عالما أكثر تطورا فحسب، بل أن نصنع عالما أكثر عدلا ورحمة، تتكامل فيه المعرفة مع الأخلاق، والقوة مع المسؤولية، والمصلحة مع احترام الإنسان.
وهنا نصل إلى سؤال أعمق: إذا كانت الحضارة من صنع الإنسان، وإذا كان الإنسان قادرا على الخير والشر، فهل يولد الإنسان ميالا إلى الشر، أم أن البيئة والمصالح والتجارب هي التي تشكل سلوكه؟
في الجزء التاسع: هل الإنسان شرير بطبيعته؟ — بين ما يولد به الإنسان، وما تصنعه فيه الحياة.
د اسامة الفاتح الع


