الحظيرة التى تسكن الإنسان.(7) التمرد على القوانين –بين الحرية والوهم

Date:

القاهرة: سودا.نيوز

ليس كل من يتمرد على القواعد حرا، فقد يكون أحيانا أسير رغبته في ألا يخضع إلا لما يخدم مصالحه.يولد الإنسان وهو يبحث عن مساحة يتحرك فيها بإرادته، ويرفض أن تتحول حياته إلى سلسلة من الأوامر والقيود.

وهذا البحث عن الحرية جزء أصيل من كرامته، لكن المعضلة تبدأ حين يخلط بين الحرية وغياب الحدود، وبين الاستقلال ورفض كل التزام.

فالقوانين ليست كلها عادلة، والطاعة ليست دائما فضيلة، والتمرد ليس دائما خطأ. هناك قواعد صنعت لحماية الإنسان، وأخرى قد تتحول إلى أدوات للسيطرة عليه. وهناك من يتمرد طلبا للعدل، ومن يتمرد لأنه لا يريد أن تنطبق عليه القواعد التي يطالب الآخرين باحترامها.

وهنا يظهر الفارق بين من يريد تغيير القانون لأنه يظلم الناس، ومن يريد إسقاطه لأنه يقف في طريق مصلحته.

الأول يبحث عن نظام أكثر عدلا للجميع، أما الثاني فقد لا يبحث إلا عن مساحة يتحرك فيها دون مساءلة.

وقد تبدأ الحكاية برفض قيد ظالم، ثم تتحول تدريجيا إلى رفض لكل قيد، حتى يصبح الإنسان مقتنعا بأن إرادته الشخصية هي المعيار الوحيد للصواب.

وعندها لا يعود يسأل: هل ما أفعله عادل؟

بل يسأل فقط: هل أستطيع فعله؟لكن المجتمع لا يستطيع أن يعيش بإرادات منفصلة، يقرر فيها كل فرد ما له وما عليه دون مرجعية عادلة.

فالحرية التي لا تعترف بحقوق الآخرين قد تتحول إلى استبداد، والفوضى التي ترفع شعار التحرر قد تفتح الباب أمام الأقوى لفرض إرادته على الأضعف.

وفي المقابل، فإن النظام الذي يطالب الناس بالطاعة دون عدالة، أو يفرض القوانين دون مساءلة، لا يصنع استقرارا حقيقيا، بل يؤجل الصراع ويمنحه أسبابا جديدة.

فالحرية ليست أن تفعل كل ما تريد، وليست أن تقبل كل ما يفرض عليك؛ بل أن تمتلك القدرة على التمييز بين القيد الذي يحمي الحياة، والقيد الذي يصادرها، وأن تسعى إلى عدالة تحكم الجميع دون استثناء.

إن الإنسان الواعي لا يسأل فقط: كيف أتحرر من سلطة الآخرين؟ بل يسأل أيضا: كيف أحمي الآخرين من أن تتحول حريتي إلى سلطة عليهم؟

وهنا نقترب من جوهر المسألة: فالمشكلة ليست في وجود القواعد وحده، بل فيمن يصنعها، ولمن تطبق، ومن يملك حق مراجعتها، وكيف نحاسب من يتجاوزها.فإذا كانت الحظيرة قد بدأت بقيود فرضها الإنسان على نفسه وعلى غيره، ثم تطورت حتى أصبحت منظومة تحكم سلوكه، فهل يمكن أن تتحول الحضارة نفسها إلى حظيرة، حين تنسى أن غايتها الأولى هي خدمة الإنسان؟

في الجزء الثامن: الحضارة التي صنعت الحظيرة ثم نسيت غايتها — حين تتقدم الوسائل، ويتراجع الإنسان عن مركز الحياة.

د اسامة الفاتح العمري

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

حسن النية لايبرر الضرر ..قبل أن تنشر فكر

القاهرة : سودا.نيوز في زمن الحرب، المعلومة بقت سلاح...

الطاقة الشمسيةعلى نفقة الدولة ..قرارسيادى ينقذ موسم القمح

القاهرة : سودا.نيوز لم يكن توجيه رئيس مجلس السيادة...

الحظيرة التى تسكن الإنسان(6) : الطبيعة — الشاهد الذى لا يحتاج إلى الكلام

القاهرة : سودا.نيوز الطبيعة لا تنتقم من الإنسان، لكنها...