السودان ليس ساحة للآخرين.. من صراعات النفوذ إلى صناعة مستقبل المنطقة (2)د. أسامة العمري يرسم رؤية استراتيجية لاستعادة الدور السوداني وبناء شراكات عربية وإفريقية متوازنة.

Date:

القاهرة : سودا.نيوز

مدخل: هل يمتلك السودان مقومات صناعة النفوذ؟

لا يمكن النظر إلى الأزمة السودانية باعتبارها أزمة داخلية منفصلة عن محيطها الإقليمي والدولي؛ فالسودان يقع في منطقة تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية، وتتشابك فيها ملفات الأمن والمياه والتجارة والطاقة والغذاء والممرات البحرية.

فهو يمثل نقطة التقاء بين العالم العربي وشرق إفريقيا والقرن الإفريقي ووسط القارة، ويرتبط بحوض النيل والبحر الأحمر، ويمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية وبشرية تؤهله للقيام بدور اقتصادي وتنموي يتجاوز حدوده الجغرافية.لكن هذه الإمكانات لم تتحول إلى نفوذ استراتيجي مستدام، نتيجة اختلالات الدولة وضعف المؤسسات وتعدد مراكز القرار والصراعات الداخلية، التي جعلت السودان في كثير من الأحيان ساحة لتقاطعات المصالح بدلاً من أن يكون شريكاً فاعلاً في إدارتها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة موقع السودان في محيطه الإقليمي، وفق رؤية وطنية تقوم على تحديد المصالح وبناء شراكات متوازنة تحمي السيادة وتحقق التنمية.

فالسؤال ليس: مع من ينبغي أن يتحالف السودان؟ بل: كيف يبني علاقات تجعل مصالحه الوطنية جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي؟

أولاً: القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.. بناء منظومة جوار قائمة على المصالح المشتركةيمثل القرن الإفريقي وشرق إفريقيا الامتداد الأمني والجغرافي الأكثر تأثيراً في مستقبل السودان، بحكم الحدود المشتركة والتداخل السكاني والارتباطات الاقتصادية والمائية والأمنية.وتتطلب المرحلة الانتقال من إدارة الأزمات الثنائية إلى بناء إطار إقليمي للتعاون والتنسيق.

إثيوبيا: معالجة ملفات الحدود وسد النهضة والأمن المائي والتجارة، وفق احترام السيادة والاتفاقيات، مع توسيع التعاون الزراعي والتجاري والطاقة.

ارتريا وجيبوتي والصومال: تطوير التعاون في الأمن البحري وحماية الممرات التجارية ومكافحة التهريب، وتعزيز التنسيق حول استقرار القرن الإفريقي.

جنوب السودان: بناء شراكة مؤسسية في النفط والنقل والتجارة والزراعة والموانئ وإدارة الحدود، بما يحقق المصالح المتبادلة ويحترم سيادة الدولتين.كينيا وأوغندا ودول شرق إفريقيا: توسيع التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز حضور السودان في الأسواق والتكتلات الاقتصادية الإقليمية.

إن استقرار السودان لا ينفصل عن استقرار محيطه، كما أن مصالح دول المنطقة لا يمكن أن تتحقق بصورة مستدامة في ظل استمرار الصراعات والتنافس على الموارد.ثانياً: العالم العربي.. استعادة العمق الاستراتيجي وبناء شراكات متكاملة.يمثل العالم العربي امتداداً طبيعياً للسودان جغرافياً وتاريخياً واقتصادياً، لكن المطلوب هو تجاوز العلاقات التقليدية القائمة على المساعدات والمواقف السياسية المؤقتة إلى شراكات استراتيجية طويلة المدى .

.مصر: تطوير التعاون في الأمن المائي والزراعة والطاقة والنقل والصناعة والتجارة وإعادة الإعمار، مع احترام سيادة البلدين واستقلال قرارهما.السعودية: بناء شراكة في الأمن الغذائي والزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والطاقة وحماية البحر الأحمر والملاحة البحرية.ا

الامارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين: توسيع الاستثمار في البنية التحتية والصناعة والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية، وفق اتفاقيات شفافة تحمي الموارد والمصالح الوطنية.دول المغرب العربي: تعزيز التعاون مع الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا في الصناعة والطاقة والزراعة والتعليم والتكامل الاقتصادي الإفريقي العربي.

أن تنويع العلاقات العربية يمنح السودان مساحة أوسع للحركة، ويحد من مخاطر الاعتماد على شريك واحد أو مجموعة محدودة من الشركاء..ثالثاً: الاتحاد الإفريقي والتكتلات الاقتصادية.. السودان شريك في صناعة مستقبل القارة.لا يمكن للسودان استعادة دوره الإقليمي دون استعادة حضوره الفاعل داخل المؤسسات الإفريقية.

وتبرز أهمية تطوير علاقاته مع الاتحاد الإفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، والكوميسا، ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والمؤسسات المالية والتنموية الإفريقية.ويمكن للسودان تقديم مبادرات عملية في الأمن الغذائي وإدارة الموارد المائية والنقل الإقليمي والطاقة ومكافحة التصحر، والاستفادة من الأسواق الإفريقية لتوسيع صادراته وجذب الاستثمارات.

فالقارة الإفريقية ليست مجرد امتداد جغرافي للسودان، بل سوق استراتيجية وشريك أساسي في مستقبله الاقتصادي والسياسي.رابعاً: البحر الأحمر وحوض النيل.. ركيزتان للأمن القومي والتعاون الإقليمي.يمثل البحر الأحمر ممراً تجارياً عالمياً تتقاطع فيه مصالح الدول المطلة عليه والقوى الدولية، ما يجعل حماية الملاحة وتطوير الموانئ وتأمين السواحل وتنمية المناطق الساحلية من الأولويات الاستراتيجية للسودان.

أما حوض النيل، فيتطلب الانتقال من إدارة الخلافات المائية إلى بناء منظومة تعاون قائمة على الحقوق والاتفاقيات وتبادل البيانات والمصالح التنموية المشتركة.ولا ينبغي أن تبقى هذه الملفات رهينة العلاقات الثنائية المتقلبة، بل يجب أن تدار ضمن أطر مؤسسية وقانونية تضمن استدامة المصالح وتحمي حقوق الدول المعنية.

خامساً: كيف تتحول العلاقات الإقليمية إلى قوة وطنية؟إن بناء علاقات استراتيجية لا يكتمل بتوقيع الاتفاقيات أو تبادل الزيارات، بل يتطلب وجود مؤسسات قادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج اقتصادية وتنموية.وهذا يستدعي:- توحيد القرار الخارجي ووضع أولويات واضحة للسياسة السودانية.- بناء استراتيجية وطنية للأمن القومي تربط بين الداخل والحدود والمياه والاقتصاد.- إنشاء آليات لمتابعة الاتفاقيات والشراكات الإقليمية.- تطوير الدبلوماسية الاقتصادية وجذب الاستثمارات النوعية.- الاستفادة من الخبرات السودانية في الداخل والخارج.- ربط العلاقات الخارجية بأهداف التنمية وتحسين حياة المواطن.

الخلاصةإن السودان يمتلك مقومات تؤهله للانتقال من موقع المتأثر بالتطورات الإقليمية إلى موقع الشريك في صناعتها.لكن ذلك يتطلب إعادة تعريف علاقاته مع محيطه العربي والإفريقي، والانتقال من الدبلوماسية القائمة على ردود الأفعال إلى سياسة استراتيجية تحدد المصالح وتبني الشراكات وتحمي السيادة.فالسودان لا ينبغي أن يكون ساحة لتنافس الآخرين، بل جسراً للتكامل بين العالم العربي وإفريقيا، وشريكاً في صناعة السلام والاستقرار والتنمية.

د. أسامة العمري

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

الحظيرة التى تسكن الإنسان* (8) : الحضارة التى صنعت الحظيرة ثم نسيت غايتها

القاهرة : سودا.نيوز أخطر ما قد تفعله الحضارة بالإنسان أن...

الحظيرة التى تسكن الإنسان.(7) التمرد على القوانين –بين الحرية والوهم

القاهرة: سودا.نيوز ليس كل من يتمرد على القواعد حرا، فقد...

حسن النية لايبرر الضرر ..قبل أن تنشر فكر

القاهرة : سودا.نيوز في زمن الحرب، المعلومة بقت سلاح...