
من ريادة الشاشة إلى قيادة وكالة السودان للأنباء والعمل الدبلوماسي.. مسيرة إعلامية صنعت حضورا استثنائيا للمرأة السودانية ..
رقية الشفيع الخرطوم – سوداناو 🙁 القاهرة : سودا.نيوز)
في تاريخ الإعلام السوداني، ثمة نساء تجاوزن حدود المهنة ليصنعن لأنفسهن مكانا في سجل الريادة، وكانت الأستاذة نعمات محمد بلال واحدة من أبرزهن. فمنذ ظهورها المبكر على شاشة تلفزيون السودان مذيعة للأخبار، مرورا بتدرجها المهني داخل وكالة السودان للأنباء “سونا”، وصولا إلى توليها منصب المدير العام للوكالة بين عامي 1999 و2002، رسمت مسارا مهنيا حافلا بالتحديات والإنجازات، واقتحمت مواقع قيادية ظلت طويلا بعيدة عن النساء.
لم تكن تجربتها مجرد انتقال من موقع وظيفي إلى آخر، إنما رحلة جمعت بين الصحافة والإدارة والعمل الدبلوماسي والرياضي والمجتمعي، وامتدت إلى محطات إقليمية ودولية شهدت تحولات مهمة في تاريخ السودان.
وبمناسبة اليوم العالمي للمدير، تستعيد “سوداناو” سيرة هذه الرائدة التي تركت بصمتها في مؤسسة إعلامية وطنية، وقدمت نموذجا للمرأة السودانية التي صنعت حضورها بالخبرة والعمل، ووسعت الطريق أمام الأجيال اللاحقة لتتولى مواقع المسؤولية.
من كلية الآداب إلى رحاب الصحافةتخرجت نعمات محمد بلال في كلية الآداب بجامعة الخرطوم عام 1973، وهو العام نفسه الذي التحقت فيه بوكالة السودان للأنباء محررة بقسم التحرير الداخلي، لتبدأ رحلة مهنية امتدت ثلاثة عقود، تنقلت خلالها بين التحرير والإدارة والعمل الإعلامي الخارجي.
وقبل التحاقها بالوكالة، كانت قد خاضت تجربة مبكرة في الإعلام المرئي، إذ تُعد من أوائل المذيعات السودانيات اللاتي قرأن نشرة الأخبار الرئيسية في تلفزيون السودان عام 1962، في مرحلة كانت فيها مشاركة المرأة في العمل الإعلامي تفتح آفاقا جديدة أمام حضورها المهني في المؤسسات الوطنية.
وإلى جانب عملها في “سونا”، كتبت عامودا أسبوعيا في صحيفة “الصحافة” بعنوان “لو قلت”، وراسلت وكالة الأنباء العالمية IPS، في تجربة وسعت صلتها بالصحافة الدولية، وأتاحت لها الانفتاح على تجارب إعلامية خارج حدود المؤسسات المحلية.
وفي عام 1981، شاركت في برنامج تدريبي بألمانيا الغربية استمر ثلاثة أشهر، إلى جانب صحفيات أفريقيات، وحصلت على شهادة وُصفت بأنها تعادل الدبلوم، وفقا للمعلومات الواردة في سيرتها، لتضيف إلى خبرتها العملية معرفة جديدة بتجارب الصحافة والإعلام.
“سونا”.. من التحرير إلى قمة القيادةتدرجت نعمات بلال في العمل بوكالة السودان للأنباء، متنقلة من التحرير إلى مواقع المسؤولية، حتى تولت منصب نائب المدير العام عام 1993، ثم أصبحت مديرا عاما للوكالة خلال الفترة من 1999 إلى 2002، لتسجل حضورا بارزا في تاريخ القيادة الإعلامية السودانية، بوصفها أول امرأة تتولى هذا المنصب.
وشهدت فترة عملها القيادي تحولات تقنية مهمة في منظومة العمل الإخباري، من بينها الانتقال من استخدام أجهزة اللاسلكي في نقل الأخبار إلى توظيف تقنيات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، في خطوة عكست تطور وسائل الاتصال ونقل المعلومات في صناعة الأنباء.
ولم تقتصر مسؤولياتها على إدارة العمل اليومي، فقد ارتبطت تجربتها بمرحلة كان فيها الإعلام الرسمي يؤدي دورا محوريا في نقل الأخبار وتغطية الأحداث السياسية والدبلوماسية، الأمر الذي وضع على عاتقها مسؤوليات مهنية تتطلب سرعة الإنجاز ودقة المعلومات وحسن إدارة الكوادر.
وفي حديثها عن الراحلة، تصف الدكتورة فكرية أبايزيد، المديرة السابقة لوكالة السودان للأنباء، نعمات بلال كانت معلمة إعلام وقائدة ميدانية، استطاعت أن تقود “سونا” بحكمة وحنكة، وتحافظ على مهنيتها ورسالتها الوطنية، وتفتح المجال أمام الأجيال الصحفية للاستفادة من خبرتها.
وتضيف أبا يزيد أن تجربة نعمات بلال تمثل محطة مهمة في تاريخ الوكالة، لما حملته من دلالات تتعلق بقدرة المرأة السودانية على تولي المسؤوليات القيادية في المؤسسات الإعلامية الكبرى.في قلب الأحداث.. من التغطيات الخارجية إلى الدبلوماسيةامتدت مهام نعمات بلال الصحفية إلى خارج السودان، إذ شاركت في تغطية زيارات الرئيس الأسبق جعفر نميري إلى إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وكوريا، كما مثلت “سونا” في تغطية رحلة الصادق المهدي إلى اليابان عام 1988.
وقدمت هذه المشاركات فرصة للاحتكاك المباشر بالأحداث الإقليمية والدولية، ومتابعة الملفات السياسية والدبلوماسية من مواقعها، في تجربة جمعت بين مهارات الصحفي الميداني ومتطلبات العمل في وكالة أنباء وطنية.
وفي عام 1997، عُينت عضوا في المجلس الوطني، بناءً على رغبة رئيسه آنذاك الدكتور حسن عبد الله الترابي، وشاركت ضمن وفود للمجلس زارت إيران وباكستان وكوريا والاتحاد السوفيتي، في مرحلة اتسع فيها حضورها من المجال الإعلامي إلى المشاركة في المهام الرسمية.
نيروبي.. إعلام في خدمة الدبلوماسيةشكل انتقال نعمات بلال إلى العمل الدبلوماسي محطة بارزة في مسيرتها. فقد أُسندت إليها مهمة إنشاء المستشارية الإعلامية بسفارة السودان في العاصمة الكينية نيروبي، بدرجة وزير مفوض، ونُقلت من وزارة الإعلام إلى وزارة الخارجية، وفقًا للمعلومات الواردة في سيرتها.وجاءت هذه المهمة امتدادا لخبرتها في العمل الإخباري، لكنها وضعتها أمام مسؤوليات مختلفة، تتصل بإدارة الاتصال الإعلامي للسفارة ومتابعة الملفات السياسية وتعزيز حضور السودان في المحافل الخارجية.
وعملت خلال فترة شهدت تطورات مهمة في مسار المفاوضات السودانية، من محادثات مشاكوس وصولا إلى مفاوضات نيفاشا، بما جعل عملها الإعلامي مرتبطا بمرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
ومن المحطات اللافتة في تجربتها، لقاؤها بوزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول، وهي واقعة تذكرها سيرتها بوصفها سابقة في تاريخ اللقاءات الإعلامية السودانية مع المسؤول الأمريكي.
ويعكس هذا الجانب من مسيرتها اتساع دائرة عملها من التغطية الصحفية إلى التفاعل مع دوائر الدبلوماسية الدولية.
الرياضة والعمل العام..
مساحات أخرى للعطاءوبحسب زوج الراحلة، المهندس عبد المنعم محمود؛ لم تنحصر اهتمامات نعمات بلال في الصحافة والإعلام، فقد مارست كرة السلة منذ دراستها في مدرسة أم درمان الثانوية للبنات، ثم التحقت بالفريق الأولمبي في مركز ناصر بشارع القصر.
وتواصل نشاطها الرياضي لاحقا بتولي رئاسة الرابطة الرياضية النسوية العامة، بتعيين من الوزير زين العابدين محمد أحمد عبد القادر، خلال عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، وفقا لما أوردته أسرتها عن سيرتها.
ويضيف المهندس عبدالمنعم محمود عن مشاركتها في عدد من المنظمات والكيانات ذات الصلة بالعمل الإعلامي والمجتمعي، حيث التحقت بلجنة الصداقة الشعبية السودانية، وارتبط اسمها بمنظمة الإعلاميات العربيات، وأسهمت في أنشطتها، وتولت إدارة مكتبها في الخرطوم.
وامتد اهتمامها إلى المجال البيئي، فقد أسست جمعية “المدار الأخضر”، كما ارتبطت عضويتها بمنظمة اليونسكو في السودان، في دلالة على تنوع مجالات اهتمامها وتجاوزها حدود الممارسة الصحفية التقليدية.
تكريمات وشهادة باقية :
حظيت نعمات محمد بلال بتكريمات تقديرا لمسيرتها المهنية والعامة، من بينها وسام الجدارة من رئاسة الجمهورية، إلى جانب تكريمات من الاتحاد الرياضي النسوي، كما كرمتها وكالة السودان للأنباء قبل اندلاع الحرب.
وبعد عودتها من نيروبي، أُحيلت إلى المعاش المبكر، غير أن ارتباطها بالمجال الإعلامي ظل حاضرا من خلال نشاطها في أوساط الإعلاميات والعمل العام، ومشاركتها في منظمة الإعلاميات العربيات.
وفي مايو 2023، رحلت نعمات محمد بلال، تاركة وراءها سيرة مهنية جمعت بين السبق الإعلامي والقيادة المؤسسية والعمل الدبلوماسي والمشاركة المجتمعية.
وتظل تجربتها جديرة بالتوثيق في تاريخ الإعلام السوداني، لا لأنها وصلت إلى موقع قيادي فحسب، وإنما لأنها خاضت مسارا مهنيا متعدد المحطات، في الإذاعة والتلفزيون والصحافة ووكالة الأنباء والدبلوماسية، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة في مواقع المسؤولية.
وفي اليوم العالمي للمدير، تستعيد “سوداناو” اسم نعمات بلال باعتباره جزءا من ذاكرة المؤسسة الإعلامية السودانية، وتجربة تستحق أن تتعرف إليها الأجيال الجديدة من الصحفيين والصحفيات، وأن تُوثق تفاصيلها في سجلات تاريخ الصحافة الوطنية.
لقد أثبتت مسيرتها أن القيادة الإعلامية تتطلب خبرة مهنية وقدرة على تحمل المسؤولية والانفتاح على التحولات، وأن وصول المرأة إلى المواقع القيادية يمثل خطوة مهمة في توسيع فرص المشاركة والتأثير داخل المؤسسات.
رحم الله الفقيدة والإعلامية نعمات محمد بلال، وجعل إرثها المهني شاهدا على جيل من الإعلاميين السودانيين الذين جعلوا من الكلمة مهنة ومسؤولية، ومن العمل العام مساحة للعطاء.


