د. اسامةالفاتح العمرى فى حوار مع ,,سودا.نيوز،،: ايقاف الحرب ضرورة .. لكنه ليس السلام

Date:

حوار: مالك خليفة – رئيس تحرير «سودا.نيوز»

يمر السودان بواحدة من أقسى مراحل تاريخه، في ظل حرب أنهكت الإنسان والدولة، ووسعت دائرة النزوح والفقر وفقدان الأمن، بينما تتعقد مسارات الحل السياسي وتتزايد الحاجة إلى رؤية تتجاوز مجرد إيقاف القتال، نحو بناء دولة جديدة تقوم على الإنسان والقانون والمؤسسات.

في هذا الحوار مع «سودا.نيوز»، يتحدث د. أسامة الفاتح العمري عن جذور الأزمة، وإيقاف الحرب وبناء السلام، وقضايا الهوية والتنوع وقبول الآخر، والحوار الوطني، والعلاقة بين المواطن والدولة، وشكل الدولة التي ينشدها للسودان، وعلاقة السودان بالعالم، وصولا إلى رؤيته لمستقبل البلاد خلال السنوات المقبلة.

السؤال الأول:

كيف تنظرون إلى جذور الأزمة السودانية؟ وهل المشكلة في الحرب وحدها؟

السودان يعيش مأساة لا تحتمل المزيد من الانتظار. شعب يجوع وينزح ويفقد أمنه ومستقبله، بينما تستمر المماطلة وكأن الزمن لا قيمة له.المشكلة ليست الحرب وحدها، وإنما العقلية التي أنتجتها وأطالتها؛ عقلية اللجوء إلى الصراع بدلا من الحوار، وإلى القوة بدلا من التفاهم، وإلى المصالح الضيقة بدلا من المصلحة الوطنية.وكل هذه السلوكيات، واللامبالاة، وسوء الفهم، والسياسات الخاطئة، أوصلت بلادنا إلى قاع السلم الحلزوني، وإلى مرحلة الحصاد المر.ولذلك، لا بد من الانفتاح على بعضنا وعلى العالم بكل حب وصدق، والاستماع بعقل مفتوح وقلوب صادقة، حتى نعيد بناء الثقة ونصحح المسار ونبدأ طريقا جديدا للسودان.

السؤال الثاني:

هل إيقاف الحرب وحده كاف لتحقيق السلام؟

إيقاف الحرب ضرورة، لكنه ليس السلام.الهدنة توقف إطلاق النار، أما السلام فيعالج الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة، ويعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة والمجتمع.نحن بحاجة إلى الانتقال من دولة السلطة إلى دولة المواطن، ومن دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات والقانون، بحيث يصبح المواطن هو الغاية الأولى للدولة، وتصبح حقوقه وكرامته وأمنه مسؤولية لا تقبل التأجيل.السياسة تستطيع أن تنتظر، لكن الطفل الجائع والمريض والنازح لا يستطيع. ولذلك يجب أن يكون إنقاذ الإنسان هو المقياس الحقيقي لأي موقف أو مبادرة.

السؤال الثالث:

كيف يمكن للسودان أن يتعامل مع قضايا الهوية والتنوع وقبول الآخر؟

علينا أن نبدأ من حقيقة بسيطة وعميقة:

قبل أن نكون مختلفين في الثقافة أو المعتقد أو العادات والتقاليد، نحن جميعا أبناء آدم.السودان ليس ملكا لمجموعة دون أخرى، ولا يمكن بناء مستقبله بإقصاء أي جزء من إنسانه.نريد إنسانا سودانيا واعيا بقيمته، مؤمنا بوطنه، رافضا للتمييز والفساد، يعرف حقوقه وواجباته، ويحترم اختلاف الآخرين.

وعندما نضع السودان فوق خلافاتنا، والإنسان فوق صراعاتنا، يصبح التنوع مصدر قوة، لا سببا للصراع.

السؤال الرابع:

هل يمكن بناء سودان جديد من دون قبول الآخر والانفتاح على بعضنا؟

لا يمكن.ما نحتاجه اليوم ليس فقط اتفاقا سياسيا، وإنما استعادة القدرة على الثقة ببعضنا والاستماع إلى بعضنا.علينا أن نفتح الأبواب التي أغلقتها سنوات الخوف وسوء الفهم، وأن ننفتح على بعضنا وعلى العالم بكل حب وصدق.إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني؛ إنسان محب لوطنه، معتز بقيمته، وقادر على الاختلاف دون أن يحول اختلافه إلى عداء.

السؤال الخامس:

كيف تنظرون إلى الحوار السوداني؟ وهل نحن بحاجة إلى حوار جديد؟

نحن بحاجة إلى حوار حقيقي، لا إلى حوار يعيد إنتاج الخلافات القديمة.الحوار عندي هو وسيلة لفهم الآخر، واكتشاف نقاط الالتقاء، وتصحيح الأخطاء، وبناء الثقة، ثم الانتقال من الكلام إلى العمل.

ولهذا أقول دائما: نحتاج إلى الحوار وليس التحوار؛ لأن السودان لا يحتمل مزيدا من المناورات والمماطلة، وإنما يحتاج إلى صدق وشفافية ومسؤولية مشتركة تقود إلى إنقاذ الإنسان وبناء الدولة.

السؤال السادس:

كيف ينبغي أن تكون العلاقة بين المواطن والدولة؟

العلاقة الصحيحة تبدأ من الحقوق والواجبات.الحقوق ليست منحة من الحكومة، والواجبات ليست طاعة عمياء، والسلطة ليست امتيازا؛ بل مسؤولية.نريد دولة تحترم مواطنيها وتحميهم وتطبق القانون بعدالة وشفافية، ومواطنا يعرف حقوقه وواجباته ويشارك في بناء وطنه.

وتغيير السودان لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط، وإنما بتغيير العقلية التي تدير الدولة، والانتقال من شخصية الدولة إلى مؤسسية الدولة.

السؤال السابع:

ما شكل الدولة التي تتطلعون إليها في السودان؟

أريد سودانا تكون فيه الدولة في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة السلطة.دولة مؤسسات وقانون، يكون المواطن فيها محور الاهتمام، وتكون الخدمات الأساسية حقا أصيلا، وتكون الإدارة قريبة من الناس وقادرة على الاستجابة لاحتياجاتهم.وأريد سودانا لا يعرف التمييز، ومجتمعا متعافيا سعيدا، ونهضة زراعية وصناعية، وتعليما وصحة وخدمات تليق بالإنسان.نريد سودانا خاليا من الأوبئة التي أنهكت شعبه، وفاعلا في صناعة السلام، وشريكا اقتصاديا كبيرا في المنطقة والعالم.

السؤال الثامن:

كيف يمكن تحقيق السلام مع الحفاظ على سيادة السودان، وما طبيعة العلاقة المطلوبة مع المجتمع الدولي؟

السودان جزء من هذا العالم، ومأساته لا يمكن أن تترك العالم غير مبال.نحن لا نريد من أحد أن يقرر مستقبل السودان بدلا من السودانيين، لكننا نريد شركاء يساعدون على إنقاذ الإنسان، وحماية الدولة، وفتح الطريق أمام السلام وإعادة البناء.علينا أن نقرأ العالم بعقول سليمة وحوارات مفتوحة، وأن نؤسس لعلاقات تقوم على المصالح والاحترام المتبادل.لا نريد عزلة عن العالم، ولا وصاية عليه؛ نريد شراكة تحفظ للسودان سيادته وتساعده على أن يمتلك قراره ومستقبله، وأن يكون قادرا على الدفاع عن مصالحه بثقة ومسؤولية.

السؤال التاسع:

كيف يمكن تحويل هذه الرؤية إلى مشروع عملي لبناء السودان؟

المطلوب أن يتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى دولة.وهذا يعني أن نبدأ بإنقاذ الإنسان وإيقاف الحرب، ثم إعادة بناء الثقة، وإرساء حكم القانون، وتصحيح العلاقة بين المواطن والدولة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفتح السودان على محيطه الإقليمي والعالمي.

المشروع ليس مجرد تغيير حكومة أو استبدال أشخاص بأشخاص؛ بل بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على الحقوق والواجبات، والشفافية، والمشاركة، وإدارة التنوع، والقيادة الخادمة.نريد أن ننتقل من مرحلة رد الفعل إلى صناعة المستقبل، ومن دولة السلطة إلى دولة المواطن.

السؤال العاشر:

كيف تتصورون السودان بعد عشر سنوات؟

بعد عشر سنوات، أريد أن نرى سودانا لا يعرف التمييز، ومجتمعا متعافيا سعيدا، ونهضة زراعية وصناعية، وتعليما وصحة وخدمات تليق بالإنسان.

سودانا لا نعرف فيه الملاريا ولا التيفويد ولا حمى الضنك ولا الكوليرا كما نعرفها اليوم، لأننا نجحنا في بناء دولة تهتم بصحة الإنسان وكرامته.

وأريد مواطنا سودانيا محبا لوطنه، معتزا بقيمته، واثقا في مستقبله؛ وسودانا فاعلا في صناعة السلام، وشريكا في حل النزاعات، وشريكا اقتصاديا كبيرا في محيطه الإقليمي والعالم.

وأريد أن يقول أبناؤنا بعد عشر سنوات إن جيلا من السودانيين لم يستسلم للحرب، بل حوّل الألم إلى وعي، والوعي إلى عمل، والعمل إلى دولة.

الشعب السوداني لا يريد أن يسمع عن المستقبل فقط؛ يريد أن يعيش.

والشعب يريد أن يعيش…

وسيعيش.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

مصرف السلام…الاقتصاد ليس ساحة لتصفية الحسابات السياسية .

احمد صديق ــ كاتب ومحلل سياسى القاهرة : سودا.نيوز دشّن...

المعاشي ليس متسولاً.. إنه صاحب حق ضاع بين المالية وصندوق المعاشات

القاهرة : سودا.نيوز المعاشيون.. قضية وطن المعاشي ليس مجرد موظف...