
القاهرة : سودا.نيوز – مالك الخليفة
*فى مقال سابق تساءلنا: هل يخرج السودان من نفقه المظلم باللسان أم بالأسنان؟ وكان السؤال تعبيراً عن المعضلة التي تواجه الدولة السودانية بين منطق القوة وحكمة السياسة. لكن ثمة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل استوعب السودانيون الدرس فعلاً؟ وهل ستتحول هذه الحرب، بكل ما خلفته من مآسٍ ودمار، إلى نقطة تحول في تاريخ الدولة السودانية، أم سنكتفي بانتهاء المعارك لنعود إلى إنتاج الأزمات ذاتها؟»
السودان: هل استفدنا من أخطاء الماضي وتجارب الآخرين؟
من مراجعة التجربة السودانية إلى استلهام دروس الشعوبليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية تنتهي بتوقف إطلاق النار،
بل هي محطات قاسية تكشف عيوب الدول، وتضع الشعوب أمام أسئلة مصيرية حول أسباب الانهيار، ومسؤولية من قادوا البلاد إلى الأزمات، وكيفية منع تكرار المأساة.والسودان، الذي عانى طويلاً من الانقلابات والحروب والانقسامات السياسية،
السودان يجد نفسه اليوم أمام فرصة لمراجعة تجربته الوطنية، لا بهدف تبادل الاتهامات، وإنما لاستخلاص العبر وبناء مستقبل مختلف
.أولاً: أخطاء الماضي
السودان يمن أبرز الأخطاء التي ظلت تتكرر في التجربة السودانية عدم استقرار النظام السياسي، وتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم، وعجز القوى السياسية عن إدارة خلافاتها عبر المؤسسات الدستورية.كما أسهمت الصراعات الحزبية، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، وضعف مؤسسات الدولة، في إضعاف التجربة الديمقراطية وفتح الطريق أمام الانقلابات والحروب.
وكان من أخطر الاختلالات السماح بتعدد مراكز القوة العسكرية خارج إطار جيش وطني موحد، الأمر الذي جعل السلاح طرفاً في التنافس على السلطة بدلاً من أن يكون مؤسسة وطنية خاضعة للدولة والقانون.لقد أثبتت التجربة أن غياب التوافق السياسي، وضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، لا تهدد الحكومات وحدها، بل تهدد وجود الدولة نفسها.
ثانياً: ماذا تعلمنا من تجارب الآخرين؟
لم يكن السودان أول بلد يواجه حرباً أهلية وانهياراً في الثقة بين مكوناته، فقد مرت دول أخرى بتجارب شديدة القسوة، لكنها استطاعت بدرجات متفاوتة أن تبدأ طريق التعافي.
في رواندا، وبعد الإبادة الجماعية عام 1994، اتجهت البلاد إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مسارات للعدالة والمصالحة المجتمعية. ورغم ما يحيط بتجربتها من انتقادات تتعلق بالحريات السياسية، فإنها تبرز أهمية إعادة بناء المؤسسات ومعالجة آثار الانقسام.
أما جنوب أفريقيا، فقد قدمت نموذجاً للانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الحكم الديمقراطي عبر التفاوض، والاستفادة من دور القيادة السياسية، ومفوضية الحقيقة والمصالحة، مع بقاء تحديات اقتصادية واجتماعية لم تُحسم بالكامل.
وفي سيراليون وليبيريا، كشفت تجربتا الحرب الأهلية أن وقف القتال وحده لا يكفي؛ إذ لا بد من نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وإصلاح المؤسسات، وإعادة بناء الثقة، وإقامة مؤسسات قادرة على حماية السلام.
هذه التجارب ليست وصفات جاهزة يمكن نقلها إلى السودان، فلكل بلد ظروفه وتاريخه وتركيبته، لكنها تؤكد أن الخروج من الحروب يحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات قوية، وعدالة، ومصالحة، ومشروع وطني يتجاوز المصالح الضيقة.
ثالثاً: الدرس الأهم للسودان
مراجعة التجربة السودانية والاستفادة من تجارب الآخرين تقودان إلى حقيقة أساسية: لا يمكن بناء دولة مستقرة بجيشين، ولا تحقيق ديمقراطية راسخة بالسلاح، ولا صناعة سلام دائم دون عدالة ومؤسسات تحكم الجميع.كما أن إعادة بناء السودان لا ينبغي أن تكون مجرد عملية لإعمار ما دمرته الحرب، بل فرصة لإعادة تأسيس الدولة على المواطنة المتساوية، وسيادة حكم القانون، ووحدة المؤسسة العسكرية، والحكم المدني الدستوري، واحترام التنوع.
إن الشعوب التي تتعلم من أخطائها لا تكرر المأساة، والدول التي تستفيد من تجارب الآخرين تختصر طريقاً طويلاً من المعاناة.
خاتمة
السودان لا تنقصه الكفاءات ولا الموارد ولا التاريخ، لكنه يحتاج إلى مراجعة صادقة للماضي، وإرادة تتقدم فيها مصلحة الوطن على الحسابات الحزبية والشخصية،
وتؤمن بأن الدولة أكبر من الأفراد والجماعات.لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً بسبب أخطاء تراكمت عبر عقود، ومن حق الأجيال القادمة ألا ترث الأخطاء ذاتها، وألا تجد نفسها أمام حرب جديدة للأسباب القديمة.
فهل نستطيع أن نحول تجاربنا وتجارب الآخرين إلى بداية جديدة للسودان؟
نسأل الله أن يحفظ بلدنا السودان وأهله، وأن يجعل الكلمة الصادقة جسراً نحو السلام وبناء الدولة.


