كتبت سامية عبدالحفيظ **هل ذهبت أخلاقنا.. لذلك ذهبنا نحن؟ **إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الدولة

Date:

القاهرة : سودا .نيوز

بسم الله الرحمن الرحيم

حين تنهار أخلاق الإنسان… تنهار الدولة

لم أكن أبحث عن قضية جديدة أكتب عنها.كنت أستمع إلى رسالة وطنية تدعو السودانيين إلى الوحدة ونبذ العنصرية والفتنة، ثم قرأت التعليقات.وهناك اكتشفت أن القضية التي تؤلمني ليست في الرسالة وحدها، ولا في صاحبتها، ولا حتى في اختلاف الناس حولها.

لقضية أعمق من ذلك بكثير.القضية هي الإنسان.ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد قدرته على أن يسمع الخير من شخص لا يحبه؟ماذا يحدث له عندما يصبح اختلافه مع الآخر سبباً لكراهيته؟

ماذا يحدث عندما تصبح الشتيمة أسهل من الحوار، والاتهام أسهل من التفكير، والشماتة أسهل من الرحمة؟هنا لا يعود الأمر مجرد خلاف في الرأي.هنا يبدأ الانهيار الأخلاقي للمجتمع.والدولة في النهاية ليست مباني ومؤسسات وقوانين فقط.الدولة إنسان.والإنسان هو الذي يصنع القانون، ويطبق القانون، ويحمي الحدود، ويدير المؤسسة، ويختار الحكومة، ويراقبها، ويكتب في وسائل التواصل، ويعلم أبناءه، ويختلف مع جاره، ويتعامل مع أخيه في الوطن.

فإذا انهارت أخلاق الإنسان، بدأت الدولة تفقد أهم عنصر من عناصر بقائها.ولهذا فإن إعادة بناء الدولة تبدأ قبل إعادة بناء مؤسساتها: تبدأ بإعادة بناء الإنسان.إن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب.يحتاج إلى وقف شيء آخر يسري في المجتمع بصمت:حرب الإنسان على الإنسان.حرب الكراهية._حرب العنصرية._حرب التخوين._حرب الشماتة._حرب إلغاء الآخر.وحرب الكلمة التي لا ترى في الإنسان إلا انتماءه السياسي أو القبلي أو الجهوي.لقد علمتنا المأساة أن الدولة يمكن أن تضعف مؤسساتها، وأن المجتمع يمكن أن يتشظى، وأن الإنسان يمكن أن يتحول من مواطن إلى أداة في صراع لا يعرف نهايته.

لكنها علمتنا أيضاً شيئاً أخطر:أن أخطر ما يمكن أن نخسره في الحرب ليس المال ولا المباني ولا المؤسسات؛ بل أخلاق الإنسان.فإذا خسر الإنسان رحمته، وحكمته، وأمانته، وقدرته على الاختلاف، واحترامه للآخر، فقد خسرنا الأساس الذي يمكن أن نبني عليه دولة جديدة.لذلك فإن إعادة بناء السودان ليست مهمة سياسية فقط.إنها مهمة أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية.

نحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول:أنا أختلف معك، لكنني لا أكرهك.أنت من قبيلة أخرى، لكنك شريكي في الوطن.أنت من منطقة أخرى، لكن حقك في الوطن مساوٍ لحقّي.أنت تؤيد فكراً لا أؤمن به، لكنني لا أملك حق إلغاء إنسانيتك.وأنت شخص لا أحبه، لكن إذا قلت كلمة صحيحة في حق الوطن فسأقبلها لأنها صحيحة.هذه هي الحكمة.والحكمة ليست ضعفاً. والتسامح ليس تنازلاً.واحترام الآخر ليس هزيمة.بل هي علامات الإنسان الذي لا يزال قادراً على حماية وطنه.

إن الدولة تحتاج إلى جيش يحمي حدودها، وشرطة تحفظ أمنها، وعدالة تحمي حقوقها، وحكومة تدير شؤونها.لكنها تحتاج قبل كل ذلك إلى شعب يعرف لماذا يحمي الدولة، ولماذا يحترم القانون، ولماذا يحفظ حق الآخر.فالشعب ليس جمهوراً. الشعب هو مرتكز الدولة.

ولهذا فإن إعادة بناء السودان تبدأ من السؤال:أي إنسان نريد أن نبني؟إنساناً يلعن؟ أم إنساناً يفكر؟إنساناً ينتقم؟ أم إنساناً يصلح؟إنساناً يبحث عن عيوب الآخرين؟ أم إنساناً يبدأ بإصلاح نفسه؟إنساناً يستخدم الكلمة لقتل الآخر؟ أم إنساناً يستخدمها لترميم وطن جريح؟ربما تكون هذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظرنا بعد الحرب.معركة إعادة بناء الإنسان السوداني.فإذا أعدنا بناء الإنسان، أمكننا أن نعيد بناء المجتمع.وإذا أعدنا بناء المجتمع، أمكننا أن نعيد بناء الدولة.أما إذا أعدنا بناء المباني والمؤسسات، وتركنا الإنسان مكسوراً ومحملاً بالكراهية، فقد نبني دولة جديدة فوق أخلاق قديمة، وسرعان ما يعاد إنتاج الأزمة.

ولهذا أعود إلى السؤال الذي يؤلمني:هل فعلاً ذهبت أخلاقنا… لذلك ذهبنا نحن؟وربما يكون الطريق إلى عودتنا هو أن تعود أخلاقنا أولاً.الحرب أظهرت حقائق لم تكن من سمات الشعب السوداني ،كشفت وعمّقت مظاهر خطيرة من التدهور الأخلاقي في المجال العام..

قد تكون الحوجة والخوف من المجهول أظهر جشع المواطن ودعاه لاستقلال اخيه المنكوب وقد تكون جماعة مرتزقة مندسة للمارسة اخلاقيات وسلوكيات ليست هي خصالنا كله وارد…المشكلة في الإنسان عندما يفقد رجاحة العقل والحكمة.فالحكمة من أعظم السمات التي تميز الإنسان، وهي التي تجعله قادراً على التمييز بين صاحب الرسالة والرسالة نفسها، وبين الخطأ والصواب، وبين الاختلاف والعداء.حتى الحيوان المفترس ينقض على فريسته دون أن يسأل أحياناً: هل جاءت لتؤذيه أم جاءت لتنفعه؟فهل نريد نحن أن نفقد ما ميز الله به الإنسان من عقل وحكمة، فنرفض الخير فقط لأن من جاء به لا يعجبنا؟

وهنا أجد نفسي أمام سؤال أعتقد أنه يمس لب القضية:من هو الشعب؟في أبسط تعريف لعناصر الدولة نجد:الإقليم – الشعب – الحكومة.والشعب هو عامة الناس؛ المواطنون الذين يعيشون على هذا الإقليم، ومن أجلهم تقوم الدولة، وبهم تستمر، ولهم تؤدى وظائفها.فالإقليم يمنح الإنسان وطنه وهويته الوطنية بين شعوب العالم، والشعب هو الذي يحمي إقليمه ويحافظ عليه، والحكومة تأتي من رحم الشعب، وتستمد شرعيتها من أداء واجبها تجاهه.وفي النظام الديمقراطي، الشعب هو صاحب الحق في اختيار ممثليه، وهو كذلك صاحب الحق والمسؤولية في مراقبة الأداء العام وتقويم المسار عندما تنحرف السلطة عن أهداف الدولة ومصالح المجتمع.

اذن، أين الشعب؟ بل من هو الشعب؟حتى نجيب عن هذا السؤال، علينا أن نعرف مكونات المجتمع وأدوار أفراده.أولاً: المواطن الذي يتولى مسؤولية الدولةهناك مواطنون ينتقلون من موقع المواطن العادي إلى موقع المسؤولية العامة.قد يصل أحدهم إلى موقع المسؤولية عبر حزب سياسي، أو حركة، أو جماعة، أو تمثيل اجتماعي أو انتخابي.لكن بمجرد وصوله إلى موقع الدولة، يصبح مسؤولاً قومياً عن جميع المواطنين، وليس ممثلاً للفئة التي جاء منها فقط.هذه نقطة أخلاقية أساسية وجوهرية في بناء الدولة.فالتكليف الوطني يعني حماية الدولة وخدمة الشعب والمحافظة على مكوناتها ومصالحها.فإذا فرّط المسؤول في حماية الإقليم، أو أفسد وظيفة الحكومة، أو جعل مصلحة الحزب أو القبيلة أو الجماعة مقدمة على مصلحة الوطن، فقد ابتعد عن جوهر التكليف الذي حمله.عند كرسي الدولة تتقدم صفة الوطن على كل صفة أخرى.لا حزب، ولا قبيلة، ولا حركة، ولا جماعة ينبغي أن تكون أعلى من الوطن.الأولوية للوطن.

ومن هنا يمكن أن نرى الفئة الأولى من الشعب:

1. حماة الوطنالجيش، والشرطة، والأجهزة الأمنية، والأجهزة العدلية، وكل من أوكلت إليه حماية الوطن والمواطن وسيادة القانون.

2. العاملون في الدولةوهم كل من يتولى وظيفة عامة، من أعلى مستويات المسؤولية إلى أدنى درجات الخدمة.وتشمل:

أ. الوظائف السيادية:من رأس السلطة التنفيذية إلى الوزراء والمستشارين والوظائف المرتبطة بإدارة الدولة العليا.

ب. الوظائف التنفيذية والخدمية:الوزارات والمؤسسات والأجهزة التي تنفذ سياسات الدولة وتقدم خدماتها للمواطنين.

ج. الخدمة المدنية:وهي الجهاز الذي تستمر به الدولة وتؤدى من خلاله خدماتها اليومية للمجتمع.

هؤلاء جميعاً يحملون مسؤولية عامة، وهم في مواقعهم يمثلون الدولة أمام المواطن.أما الفئة الثانية فهي عامة الشعبويمكن النظر إليها من خلال ثلاث دوائر رئيسية:

1. النخب العلماء، والمخترعون، والمؤلفون، وأصحاب الخبرات والتجارب المتراكمة.وهؤلاء يمتلكون معرفة وخبرة تجعل مسؤوليتهم تجاه المجتمع أكبر؛ لأن المجتمع لا يحتاج منهم إلى المعرفة فقط، وإنما يحتاج إلى توجيهها نحو البناء.

2. القيادات المجتمعيةومنها قيادات الإدارة الأهلية، وقيادات المكونات الجهوية والاجتماعية، وأصحاب المهن والحرف، وقيادات الثقافة والموسيقى والفن والمسرح وغيرها من المكونات التي تؤثر في وجدان المجتمع وتوجهه.

3. عامة المواطنين وهؤلاء قد يكونون:متلقين أو مشاركين.والمتلقي ليس بلا مسؤولية.فمن يتلقى النعمة ولا يحترمها، ومن يسب وطنه ومجتمعه ويلعن كل شيء دون تمييز، قد يتحول من مواطن ناقم إلى عامل من عوامل الهدم.أما المشارك، فإذا لم تكن مشاركته قائمة على الصدق والإخلاص والأمانة، فقد تتحول مشاركته من وسيلة للبناء إلى وسيلة للفتنة والفساد والانقسام.

وهنا نصل إلى أخطر مساحة في زماننا:وسائل التواصل الاجتماعيالسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا جميعاً:هل يدرك مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي واجبهم تجاه الوطن وتجاه الأمة؟هل ندرك مسؤوليتنا عن الوحدة؟هل ندرك مسؤوليتنا عن الأمن والسلام؟هل نعرف أن الكلمة التي نكتبها ليست دائماً مجرد كلمات؟الكلمة يمكن أن تكون لهواً عابراً، ويمكن أن تكون موقفاً، ويمكن أن تكون تحريضاً، ويمكن أن تكون إصلاحاً.قد تفتك الكلمة وتهدم.وقد ترمم وتضمد جراحاً.وقد تجبر قلباً مكسوراً.وقد تجمع إنساناً بأخيه بعد أن فرقت بينهما سنوات الحرب.

فلماذا نقضي ساعات طويلة في قتل الشخصيات على صفحات التواصل الاجتماعي؟لماذا نبحث عن عيوب الآخرين أكثر مما نبحث عن عيوبنا؟لماذا أصبح إسقاط الإنسان أسهل علينا من محاولة إصلاح الفكرة؟ولو سألنا بعضنا:هل تستطيع أن تقضي هذه الساعات نفسها في التخطيط لمشروع ينفع وطنك؟أو في عمل حقيقي؟أو في إصلاح ذات البين؟أو في مساعدة أسرة متضررة؟أو في تعليم طفل؟أو في بناء فكرة تجمع الناس بدلاً من تفريقهم؟كم منا سيفعل ذلك بنفس الحماس الذي يستخدمه في الخصومة؟السودان لا يحتاج إلى مزيد من الكراهيةنحن نعيش مأساة وطنية لا تحتمل أن يتحول المواطن إلى وقود جديد للصراع.ولا أقول إن علينا أن نتفق جميعاً.

الاختلاف حق وليس الخلاف والنقد حق وليس القتلوالمساءلة حق وليس التهاون والنفاق.لكن تحويل الاختلاف إلى كراهية، وتحويل النقد إلى شتيمة، وتحويل الاختلاف السياسي إلى عداء اجتماعي، وتحويل الانتماء إلى قبيلة أو منطقة أو حزب إلى مبرر لإلغاء الآخر، هو طريق آخر من طرق هدم الدولة.ليس المطلوب أن نحب كل شخص.وليس مطلوباً أن نقتنع بكل خطاب.لكن المطلوب أن نمتلك الحد الأدنى من العقل الذي يجعلنا قادرين على أن نقول:

هذه رسالة جيدة، حتى لو لم أحب صاحبها.وهذه فكرة صحيحة، حتى لو جاءت من شخص أختلف معه.وهذا نقد مفيد، حتى لو صدر ممن لا أتفق معه.

وهنا تظهر قيمة الإنسان.أين الشعب إذن؟الشعب ليس جمهوراً ينتظر السياسي ليقول له ماذا يفعل.وليس جمهوراً ينتظر الفنان ليقوده.وليس جمهوراً ينتظر الحكومة ليحل مشكلاته.الشعب هو مرتكز الدولة.هو الذي يمنح الوطن معنى الوطن.وهو الذي يحمي الإقليم.وهو الذي يختار حكومته أو يراقبها أو يقوّم أداءها.وهو الذي يصنع الثقافة العامة.وهو الذي يستطيع أن يجعل المجتمع بيئة للسلام أو بيئة للفتنة.

ولذلك فإن مسؤولية إنقاذ السودان لا تقع على السياسي وحده، ولا على الجيش وحده، ولا على المثقف وحده، ولا على النخب وحدها.إنها مسؤولية شعب.وشعب السودان اليوم بحاجة إلى أن يستعيد شيئاً ربما فقدناه وسط ضجيج الحرب والسياسة والظلم والمحاصصة.الحكمة.أن نسمع قبل أن نحكم.أن نفكر قبل أن نكتب.أن نختلف دون أن نكره.أن ننتقد دون أن نهدم.أن نختلف مع الإنسان دون أن نقتل إنسانيته.وأن نضع الوطن فوق الانتماءات التي صنعناها نحن.

فالسؤال الحقيقي ليس:من نحب؟ ومن نكره؟ ومن نؤيد؟ ومن نرفض؟السؤال الحقيقي هو:ماذا نفعل نحن من أجل الوطن؟وإذا كانت الكلمة أداة من أدواتنا اليوم، فعلينا أن نسأل أنفسنا قبل كل كلمة:هل أبني بها أم أهدم؟هل أجمع بها أم أفرق؟هل أداوي بها جرحاً أم أفتح جرحاً جديداً؟هل أقولها لأنني أريد الخير، أم لأنني أريد الانتقام؟فربما لم تكن مشكلتنا أننا اختلفنا.ربما كانت مشكلتنا أننا فقدنا أخلاق الاختلاف.

وربما يكون السؤال الأكبر الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا اليوم:هل فعلاً ذهبت أخلاقنا… لذلك ذهبنا نحن؟

سامية عبد الخفيظ ابراهيم

الميثاق الوطني التعاوني للسلام والتنمية

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Share post:

Subscribe

spot_imgspot_img

Popular

More like this
Related

من دولة السلطة إلى دولة المواطن.. السودان مسؤولية الجميع

سودا.نيوز : القاهرة المواطن شريك في حماية الدولة وبناء السودان...