
القاهرة :سودا.نيوز
السودان وصناعة النفوذ الدولي من الشراكات إلى بناء القوة والاستقرار
كيف يحوّل السودان موارده وعلاقاته الدولية إلى قوة اقتصادية وسياسية مستدامة؟
مدخل: الشراكات وحدها لا تصنع قوة الدولةإذا كان موقع السودان الجغرافي يمنحه فرصة للحضور الإقليمي، فإن بناء النفوذ الدولي يتطلب أكثر من امتلاك الموارد أو إقامة العلاقات الدبلوماسية.
فالدول لا تكتسب مكانتها من حجم إمكاناتها وحده، بل من قدرتها على إدارة هذه الإمكانات وتحويلها إلى مصالح وشراكات ومواقف مؤثرة.
ومن هنا، فإن المطلوب هو الانتقال من سياسة البحث عن الدعم الخارجي إلى سياسة بناء المصالح المشتركة، بحيث يصبح السودان شريكاً يمتلك ما يقدمه، ورؤية واضحة لما يريد تحقيقه.
أولاً: القوى الدولية الكبرى..
سياسة المصالح المتوازنة.يحتاج السودان إلى علاقات متوازنة مع القوى الدولية، بعيداً عن الارتهان لمحور واحد أو الدخول في صراعات الاستقطاب الدولي.-
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي:
التعاون في دعم السلام وبناء المؤسسات والاستثمار الزراعي والصناعي والطاقة ونقل التكنولوجيا.- الصين: تطوير الشراكات في البنية التحتية والطاقة والصناعة والنقل والتعدين، مع ضمان القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.-
روسيا: توسيع التعاون في الطاقة والتعدين والزراعة والتجارة، وفق اتفاقيات واضحة تحمي السيادة والمصالح الوطنية.-
تركيا: الاستفادة من خبراتها في الصناعة والتصنيع الزراعي والنقل والتعليم والصحة والمشروعات الإنتاجية.-
الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا: تنويع مصادر التكنولوجيا والاستثمار والخبرات الصناعية والزراعية والتعليمية.كما ينبغي تطوير العلاقة مع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة والمؤسسات المالية الدولية، للاستفادة من فرص التمويل والتنمية وإعادة الإعمار وبناء القدرات.
والأهم أن تقوم هذه العلاقات على رؤية سودانية موحدة، لا على ردود الأفعال أو المصالح السياسية المؤقتة.
ثانياً:
الاقتصاد بوصفه أداة للسياسة الخارجيةمن أكبر الأخطاء التعامل مع العلاقات الخارجية باعتبارها ملفاً سياسياً منفصلاً عن الاقتصاد.فالسودان يمتلك مقومات يمكن أن تجعله شريكاً اقتصادياً مهماً في محيطه الإقليمي والدولي، وفي مقدمتها:-
الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والتصنيع الغذائي.-
الثروة الحيوانية والصناعات المرتبطة بها.-
الطاقة المتجددة والموارد الطبيعية.- التعدين والصناعات التحويلية.- الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية.- الأسواق والربط التجاري بين إفريقيا والعالم العربي.
لكن تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية يتطلب إصلاحاً مؤسسياً وتشريعياً، وبيئة استثمارية مستقرة، ونظاماً مصرفياً فاعلاً، ومكافحة الفساد، وضمانات قانونية للمستثمرين.
فالاستثمار الحقيقي ليس ما يدخل البلاد من أموال فقط، بل ما يتركه من مصانع وفرص عمل وخبرات وتكنولوجيا وقيمة مضافة للمواطن والاقتصاد.
ثالثاً:
السلام الداخلي.. المدخل الحقيقي لاستعادة الدور الدولي.لا يمكن للسودان أن يقدم نفسه شريكاً موثوقاً في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي، بينما يفتقر إلى الاستقرار داخل حدوده.فأي استراتيجية خارجية ستظل محدودة التأثير ما لم تصاحبها عملية وطنية جادة لإنهاء الحرب، وتحقيق السلام، واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء توافق وطني حول مستقبل البلاد.
ويتطلب ذلك حماية المدنيين، ومعالجة جذور الأزمة، وتثبيت وحدة البلاد، وإعادة بناء مؤسسات وطنية مهنية، وإطلاق مشروع اقتصادي لإعادة الإعمار، وضمان مشاركة السودانيين في تحديد مستقبل دولتهم.
فلا يمكن بناء نفوذ خارجي مستدام لدولة تعاني من انقسام داخلي، ولا تحويل الموارد إلى قوة اقتصادية في ظل غياب مؤسسات تحميها وتديرها.رابعاً: خارطة طريق للانتقال من الرؤية إلى التنفيذحتى لا تبقى الرؤية في إطار الطموحات، ينبغي تقسيم تنفيذها إلى ثلاث مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى:
استعادة الدولةإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وتوحيد القرار، واستعادة المؤسسات، وتأمين الحدود، وإعادة بناء الثقة الإقليمية والدولية.
المرحلة الثانية:
إعادة البناءإصلاح الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، وتفعيل الاتفاقيات، وجذب الاستثمارات والشراكات الإنتاجية.
المرحلة الثالثة:
صناعة النفوذقيادة المبادرات الإقليمية، وتوسيع الأسواق، وتطوير الموانئ والنقل، وتعزيز دور السودان في الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي الإفريقي العربي.
ويجب ربط هذه المراحل بمؤشرات أداء وجداول زمنية وآليات رقابة ومحاسبة تضمن الانتقال من الخطط إلى التنفيذ.
خامساً:
أي سودان نريد أن نقدمه للعالم؟إن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة ترتيب علاقاته الخارجية، بل إلى إعادة تعريف دوره في النظام الإقليمي والدولي.
فهو ليس دولة تبحث عمن يحمي موقعها، ولا ساحة لتصفية الحسابات، ولا مجرد مورد للمواد الخام أو سوق للمصالح الخارجية.
إنه دولة تمتلك مقومات جغرافية واقتصادية وبشرية تؤهلها لتكون شريكاً أساسياً في صناعة الاستقرار والأمن الغذائي والتكامل التجاري والاقتصادي بين العالم العربي وإفريقيا.
لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية وطنية، ومؤسسات مستقرة، ورؤية استراتيجية تتجاوز عمر الحكومات، وتضع مصالح الدولة والشعب فوق الحسابات السياسية الضيقة.
إن بناء علاقات متوازنة مع العالم ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لاستعادة الدولة، وحماية السيادة، وإعادة بناء الاقتصاد، وتحسين حياة المواطن.
والسؤال الذي ينبغي أن يحكم هذه الرؤية ليس فقط:
ماذا يمكن أن يكسب السودان من علاقاته مع العالم؟
بل أيضاً:
ماذا يمكن أن يقدم السودان للعالم، وماذا سيكسب المواطن السوداني من كل هذه الشراكات؟
الخلاصة الاستراتيجيةالسودان الذي نطمح إليه هو دولة مستقرة في الداخل، متوازنة في الخارج، منتجة في اقتصادها، مستقلة في قرارها، وشريكة في صناعة مستقبل المنطقة.
فالسودان لا يحتاج إلى موقع على خارطة العالم فحسب، بل إلى دولة قادرة على تحويل موقعها إلى قوة، ومواردها إلى إنتاج، وعلاقاتها إلى مصالح، واستقرارها إلى قيمة مضافة للمنطقة والعالم..
د أسامة العمري


